وزير النفط السعودي علي النعيمي (فرانس برس)

موسى مهدي

هل تفسد روسيا “الحفل النفطي”، بعد أن لاحت بوادر اتفاق في الأفق بينها وبين السعودية، على خفض الإنتاج النفطي لسحب الفائض من السوق والسماح للأسعار بالارتفاع؟ يبدو أن هنالك الكثير من التصريحات المتناقضة التي صدرت أمس وأول من أمس من العاصمة الروسية موسكو بشأن الاتفاق مع السعودية حول خفض الإنتاج بنسبة 5.0%.

فبينما قال وزير الطاقة الروسي السكندر نوفاك أمس، إن السعودية اقترحت خفضاً يصل إلى 5% في الإنتاج النفطي لكلا البلدين من أجل دعم أسعار النفط المتدنية، وأن هنالك مقترحاً لعقد اجتماع بين دول” أوبك” ومنتجي النفط غير الأعضاء في المنظمة على مستوى وزراء النفط، مؤكداً جاهزية بلاده للمشاركة في هذا الاجتماع، قال أركادي دفوركوفيتش، نائب رئيس الوزراء الروسي، أمس الجمعة، إن أسعار النفط المتدنية ستؤدي إلى خفض الاستثمارات وربما تراجع إنتاج الخام لكن الدولة لن تتدخل لجلب التوازن إلى السوق. كما قال كذلك إن روسيا على اتصال دائم مع منتجي النفط الآخرين.
وأضاف دفوركوفيتش أن شركات النفط الروسية ستسعى وراء مصالحها فيما يتعلق بأسعار الخام المنخفضة.
وحسب ما رشح في الصحافة الروسية، فإن الحكومة الروسية عقدت اجتماعاً الثلاثاء الماضي، مع رؤساء الشركات النفطية الكبرى في روسيا لمناقشة “محنة أسعار النفط”، التي هبطت إلى قرابة 26 دولاراً للبرميل وأدخلت الاقتصاد الروسي في أزمة مالية. وأن هذا الاجتماع، وحسب تصريحات نيكولاي توكاريف، رئيس شركة ترانسنفت الحكومية التي تملك خطوط أنابيب النفط، انتهى إلى موافقة الجميع على بدء النقاش مع السعودية حول خفض الإنتاج على أساس أنها الدولة الرئيسية في منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك”.
ومن جانب المنظمة قال مندوب خليجي بارز في منظمة (أوبك)، يوم الخميس، إن السعودية والدول الخليجية الأعضاء بالمنظمة مستعدة للتعاون مع أي إجراء لتحقيق الاستقرار في سوق النفط، وذلك بُعيد تأكيد روسيا أيضاً استعدادها لبحث سبل التعاون مع أوبك لدعم أسعار الخام. وأضاف المندوب: “الدول الخليجية في أوبك والسعودية مستعدة للتعاون… الباب مفتوح، وجميع الاحتمالات قائمة”.
إذاً فالكرة في ملعب روسيا، لأن هذه التصريحات الخليجية تعني بوضوح أن السعودية ودول التعاون مستعدة للتفاهم حول خفض الإنتاج. بدليل أن تصريحات المندوب الخليجي جاءت بعد تصريحات وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، كما أن السعودية لم تنف الخبر. ومن هذا المنطلق يمكن القول إن هنالك تردداً روسياً في المضي قدماً نحو الاتفاق.
وعلى صعيد أسواق النفط، يلاحظ أن المضاربين أدخلوا في حساباتهم احتمال حدوث اتفاق بين دول “أوبك” وروسيا، بدليل أن أسعار النفط لم تنخفض أمس عن مستويات إغلاقها يوم الخميس، حيث تم التعامل في خام برنت لدى 33.61 دولاراً للبرميل، كما تم تداول خام غرب تكساس، الخام الأميركي الخفيف، قريباً من هذا السعر. في إشارة قوية أن اتفاقاً ما سيحدث بين روسيا والسعودية خلال الأسابيع المقبلة بشأن خفض الإنتاج. ودائماً ما تكون قراءة الأسواق للقرارات أكثر مصداقية من التصريحات.
ومن بين المبررات التي يسوقها بعض خبراء النفط للتردد الروسي، قولهم إن إنتاج روسيا النفطي بيد العديد من الشركات وليس بيد الحكومة كما هو الحال بالنسبة للحكومة السعودية التي تملك شركة أرامكو. وبالتالي، فهنالك مشاكل فنية واقتصادية في تحديد كميات الخفض من كل شركة من الشركات المنتجة للنفط الروسي. ولكن هذا ربما يصح من الناحية النظرية ولكن من الناحية العملية، فإن الحكومة الروسية تسيطر على صناعة النفط في روسيا، وأمر استراتيجي مثل هذا الاتفاق لن يتركه الرئيس بوتين للشركات تحت وطأة الأزمة المالية التي تعيشها بلاده.
كما أن وزير الطاقة الروسي عقد اجتماعاً تنسيقياً مع رؤساء الشركات قبيل إطلاق تصريحاته بشأن العرض السعودي، وتحديداً يوم الثلاثاء الماضي. وبالتالي فمن غير المعقول أن لا تكون الشركات النفطية الروسية قد ناقشت حصص الخفض بناءً على العرض السعودي.
كما يلاحظ أن هنالك عدم ثقة بين الجانبين السعودي والروسي ومنذ الثمانينات حول عدم تطبيق روسيا لاتفاقات خفض الإنتاج بالتنسيق مع “أوبك”.
ويرى مندوبون خليجيون في”أوبك”، أن روسيا لا يمكن الثقة في تعهداتها بخفض الإنتاج، لأنها قد لا تخفض وتتعلل بحجج غير مقنعة كما حدث في السابق. وبالتالي ستترك خفض الإنتاج لأعضاء “أوبك”.
ويرى خبراء في لندن، أن هنالك مخاوف من “التخفيضات الوهمية” من حصص الإنتاج، وهو ما يعني أن الشركات الروسية ترفع من حجم الإنتاج الروسي، فوق الإنتاج الحقيقي. ويلاحظ في هذا الصدد أن روسيا أعلنت أمس أن حجم إنتاجها ارتفع إلى 10.9 ملايين برميل يومياً، كما أعلنت إيران ارتفاع إنتاجها بنسبة 20%. ومثل هذه الارتفاعات في أحجام الانتاج التي تسبق عادة مقترح “الخفض المنسق” بين أوبك والمنتجين خارجها، قد لا تكون حقيقية.
وتواجه روسيا ومعظم الدول المنتجة للنفط داخل وخارج أوبك أزمات مالية حادة، وحتى السعودية ودول مجلس التعاون تصرف منذ العام الماضي من احتياطاتها المالية. وبالتالي، فهنالك ظروف ضاغطة لعقد اجتماع تنسيقي لخفض الأسعار. فروسيا تحديداً تعيش أزمة مالية حادة، كادت أن تؤدي إلى انهيار الروبل. واضطرت الشركات الروسية الكبرى المنتجة للنفط، خلال العام الماضي أن تبيع النفط مقدماً للشركات الصينية للحصول على تمويلات، كان آخرها حصول شركة “لوك أويل” على 15 مليار دولار من شركة “ساينوبك” الصينية.
وعلى صعيد “أوبك”، خسرت الدول الـ11 الأعضاء في المنظمة خلال العام الماضي 543 مليار دولار، مقارنة بدخلها في العام 2014.
ويقدر خبراء أن هذه الخسائر سترتفع خلال العام الجاري إلى 673 مليار دولار، إذا لم تتمكن دول المنظمة من التوصل إلى اتفاق مع المنتجين خارجها لسحب الفائض النفطي من الأسواق.
وتواجه الدول الأعضاء في منظمة “أوبك” والمنتجين خارجها، صعوبات مالية متزايدة ربما تدفعهم نحو القبول، خلال الشهر الجاري، بالجلوس معاً لترتيب خفض الإنتاج والسماح للأسعار بالارتفاع.
وحسب البيانات التي أوردها تقرير “ويرلد إيكونومكس أوت لوك”، فإن الناتج الإجمالي للدول الأعضاء في “أوبك” وعددها 11 دولة، انخفض من 3.392 ترليونات دولار في عام 2014 إلى 2.849 ترليون دولار في نهاية العام الماضي 2015. وهو ما يعني أن اقتصادات هذه الدول خسرت خلال العام الماضي حوالى 543 مليار دولار من ناتجها الإجمالي.
وعلى صعيد العجز في الميزانيات، تقول بيانات “ويرلد إيكونومكس أوت لوك”، إن العجز في ميزانيات دول “أوبك”، شهد ارتفاعاً كبيراً، حيث ارتفع من 17 مليار دولار (حوالى 0.5% من الناتج المحلي)، في عام 2014 إلى 278 مليار دولار (حوالى 9.85% من الناتج المحلي) في عام 2015.
وتواجه دول “أوبك” المزيد من العجز خلال العام الجاري، ما لم ترتفع أسعار النفط عن مستوياتها الحالية.
ويقدر خبراء في لندن أن ترتفع خسائر دول “أوبك” بحوالى 130 مليار دولار أخرى خلال العام الجاري، إذا ظلت أسعار النفط في مستوياتها المنخفضة. وهو ما يعني أن خسائر دول المنظمة سترتفع إلى 673 مليار دولار خلال العام الجاري.

اقرأ أيضاً: النفط فوق 35 دولارا للبرميل بفعل توقعات بخفض الإنتاج