يهدد توسع الاحتجاجات الاجتماعية في تونس صناعة الفوسفات التي يعتمد عليها اقتصاد البلاد، بعد أن امتدت الاحتجاجات إلى محافظة قفصة جنوب غرب العاصمة البلاد، والتي يرتكز النشاط الاقتصادي فيها على استخراج الفوسفات.

وقام عدد من العاطلين عن العمل في قفصة يوم الإثنين الماضي ببناء جدار صغير على خط السكة الحديدية الرابط بين المحافظة ومحافظة قابس القريبة، لمنع مرور قطار نقل الفوسفات إلى معامل التكرير التابعة للمجمع الكيميائي التونسي الحكومي إلى قابس.
وهي ليست المرة الأولى التي يعمد فيها محتجو “قفصة” إلى منع نقل منتجات الفوسفات الخام إلى مصانع التكرير، حيث تكررت على مدى السنوات الخمس الماضية أشكال الاحتجاج، التي بلغت مداها عام 2014، ما أدى إلى توقف الإنتاج نهائيا في مصنع التكرير نتيجة صعوبة استخراج الفوسفات من المناجم.
وتتغير من مرة إلى أخرى أشكال احتجاج أهالي الحوض المنجمي، ممن يعتبرون أنفسهم الأحق بثروات محافظتهم مطالبين بنصيبهم في التنمية ومن الثروات المستخرجة من باطن الأرض
وقامت الحكومات المتعاقبة بإضافة العديد من الوظائف في شركة فوسفات قفصة الحكومية لاستيعاب أكبر قدر من العاطلين في محاولة لاسترضاء الأهالي، غير أن إرضاء الجميع ظلت غاية صعبة المنال. كما لم تفلح الحكومة رغم الإجراءات المعلن عنها من كبح جماح الغضب الشعبي في المحافظات الفقيرة وفق خبراء اقتصاد.
ويزيد توقف إنتاج الفوسفات من مصاعب الاقتصاد التونسي العليل. وكانت تونس من بين كبار مصدريه في العالم، لكنها خسرت موقعها لصالح منافسين مثل المملكة المغربية، بسبب الإضرابات والاعتصامات المتكررة منذ الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي في 2011.
وقال علي الهوساتي، المسؤول في شركة فوسفات قفصة في تصريحات إعلامية، إن عشرات العاطلين ممن يريدون فرص عمل يعطلون الإنتاج ونقل الفوسفات عبر القطارات، مشيرا إلى أن الشركة قامت مؤخرا بخلق نحو 5 آلاف فرصة عمل جديدة.

1.95 مليار دولار خسائر قطاع الفوسفات منذ 2011

ورغم اجتهاد الحكومة والسلطات المحلية في إيجاد مخارج لحل معضلة التشغيل في قفصة أكثر المحافظات التونسية فقرا، إلا أن كل الحلول المطروحة بقيت نسبية، وهو ما يجعل نشاط الفوسفات مهددا في غياب السلم الاجتماعي في المنطقة.
وفي عام 2010، بلغ إنتاج تونس من الفوسفات 8.26 مليون طن، بينما لم يبلغ إنتاجها منذ 2011، إلى الآن سوى 11.2 مليون طن في أربع سنوات ونصف.
وينتقد عز الدين سعيدان، الخبير الاقتصادي التونسي، الحلول التي تذهب إليها الحكومة مع كل تحرك شعبي، معتبرا أن الوظائف الجديدة التي خلقتها الحكومة سواء في شركة فوسفات قفصة أو بقية هياكل الوظيفة العمومية هي وظائف وهمية وستزيد من الصعوبات الاقتصادية التي تتخبط فيها تونس.
وقال سعيدان في تصريح خاص لـ “” إنه لا يمكن الحديث عن خلق مواطن شغل جديدة في غياب نسبة نمو كافية، مضيفا ” ما تقوم به الحكومة أشبه بالعملية الانتحارية، فمن جهة يسجل الاقتصاد نسبة نمو سلبية، ومن جهة أخرى تبادر الدولة بإحداث أكثر من 5 آلاف فرصة عمل”.
ولفت إلى أن نسبة التمويل الذاتي للاقتصاد التونسي تراجعت في خمس سنوات من أكثر من 50% إلى 12% حاليا وهي نسبة ضعيفة جدا وفق تقديره، مضيفا: “هذه النسبة لا تساعد على الخروج من مرحلة الانكماش، فما بالك بخلق فرص شغل جديدة”.
وكان صندوق النقد الدولي قد نبّه تونس، في مايو/أيار الماضي، إلى ضرورة وقف نزيف التشغيل في القطاع العام، منتقدا سياسة الحكومة بتوجيه الديون الخارجية نحو سداد الأجور على حساب التنمية، واصفا كتلة الرواتب في تونس بالأرفع في العالم.
ويقدّر خبراء الاقتصاد الوظائف التي تفوق الاحتياجات الحقيقية للدولة بنحو 100 ألف وظيفة.

وتوقع الخبير الاقتصادي أن تواصل الحكومة التونسية مواجهة صعوباتها الاقتصادية باللجوء إلى الاقتراض الخارجي، مشيرا إلى أن هذه السياسة ستواصل على مدى العشرين عاما القادمة، وذلك في غياب برامج اقتصادية واضحة ورغبة في الرجوع الجاد إلى العمل.
ودعا سعيدان النقابات العمالية في منطقة الحوض المنجمي إلى القيام بدورها في تقليص الاحتجاجات وعدم المس بالمصالح الاقتصادية، مضيفا أن الفوسفات هو الرئة التي تتنفس منها تونس في غياب النشاط السياحي وعزوف المستثمرين على المجازفة برأس المال في مشاريع جديدة.
وكان نشاط الفوسفات قد بدأ يشق طريقه نحو التعافي خلال النصف الثاني من العام الماضي 2015، بعد ارتفاع معدلات الإنتاج في المناجم ومصانع التكرير.


يعتبر إنتاج النصف الأول من 2015 الأسوأ بالنسبة للشركة منذ عام 2011

وسجلت منطقة الحوض المنجمي في الأشهر الستة الماضية نوعا من الهدوء والسلم الاجتماعي، بعد تعهد الحكومة بالنظر في مصاعب التنمية بهذه الجهة والتعهد بتحسين البنية التحتية وبناء مستشفى وتحسين الواجهة الاستثمارية في القطاع السياحي.
وأشارت شركة فوسفات قفصة نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، إلى أن إنتاجها من الفوسفات تضاعف خلال النصف الثاني من سنة 2015 بنحو مرة ونصف، مقارنة بالنصف الأول من نفس العام.
ولفتت الشركة إلى أن نسبة الزيادة بلغت 145% لتصل الكميات المنتجة إلى مستوى 2.3 مليون طن خلال النصف الثاني من 2015، مقابل 940 ألف طن في النصف الأول من نفس العام، حسب ما صرح به المسؤول بإدارة مراقبة الإنتاج في الشركة، حافظ بن يحي لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “وات” مؤخرا.
ويعتبر إنتاج النصف الأول من 2015 الأسوأ بالنسبة للشركة منذ عام 2011، باعتبار أن هذه الكمية تعادل في ظروف الإنتاج العادية مجموع إنتاج شهرين. وبحسب وزارة الصناعة، فإن خسائر القطاع بلغت 4 مليارات دينار (1.95 مليار دولار) منذ يناير/كانون الثاني 2011.
وكانت تونس تحتل في عام 2009 وفق دراسة للاتحاد العربي للأسمدة المرتبة الثانية عربيا في مجال إنتاج مادة الفوسفات، بإنتاج أكثر من 8 ملايين طن من إجمالي الإنتاج العربي المقدر بنحو 56 مليون طن.
كما احتلت تونس المرتبة الرابعة عالمياً في إنتاج هذه المادة، بعد كل من الولايات المتحدة الأميركية والمغرب وروسيا.
ويرى بعضهم أن عمليات الإضراب في مناجم استخراج الفوسفات، هي عمليات منظمة تقودها أطرف سياسية واجتماعية من أجل عرقلة اقتصاد البلاد.
كما يعتبر خبراء أن تواصل تعطيل إنتاج الفوسفات سيدفع الحكومة نحو التفريط في هذه المؤسسة العمومية لصالح القطاع الخاص، ولا سيما أن العديد من الشركات العالمية تضع عينها على الشركة التي تقبع على حافة الإفلاس.
ويتم تصدير 80% من الفوسفات التونسي إلى أكثر من 20 دولة، في حين يجري تصنيع الحاجات المحليّة من هذه المادّة في المجمّع الكيميائي في ولاية قابس، الذي يعتبر أكبر قطب صناعي للكيمياويات في البلاد.
وتسعى تونس إلى تعزيز الاستثمارات لزيادة معدلات النمو، التي شهدت تراجعاً خلال السنوات الماضية بسبب الاضطرابات السياسية، حيث تشير بيانات وزارة التنمية والاستثمار إلى عدم تجاوزها 0.5% في 2015.
وطالبت الحكومة المجتمع الدولي بدعم البلاد اقتصادياً في هذه المرحلة، من أجل رفع التحديات الاجتماعية والاقتصادية، التي كانت من دوافع الثورة التونسية في يناير/كانون الثاني 2011.

اقرأ أيضا: تونس: النقابات العمالية تحذر من ثورة اجتماعية