وربما تكون موجة البرد التي ضربت شرقي الولايات المتحدة، أحد أسباب ارتفاع النفط، ولكن هذا البرد ليس بالمستوى الذي يدفع الأسعار دفعة واحدة من 26 دولاراً إلى 32 دولاراً وفي يوم واحد ولابد أن تكون هنالك عوامل، أخرى وراء هذا الارتفاع.

وحسب مصرفيين حضروا المنتدى الاقتصادي العالمي الأخير في دافوس، فإن هناك شبه توجه بين المنتجين داخل وخارج منظمة “أوبك” على خفض الإنتاج وإن لم يعلن بعد هذا الاتفاق على الملأ. فمعركة كسر العظم بين “أوبك” التي تقودها المملكة العربية السعودية ومنتجي دول التعاون، وبين المنتجين خارج المنظمة قد وصلت مرحلة “تهشيم العظام”، وسط إفلاسات شركات النفط الصخري وتوقف التنقيب في مشاريع المياه العميقة، حيث بلغت المشاريع التي تم تأجيلها حتى الآن قرابة ترليون دولار.

كما أن ديون شركات النفط الصخري المشكوك في تحصيلها تفوق حالياً 320 مليار دولار، وتراجعت أسهم الشركات النفطية الكبرى بدرجات هددت بقاء بعضها، وفي ذات الوقت أصبحت دول في داخل منظمة “أوبك” على هاوية الإفلاس مثل فنزويلا، التي ربما ستدخل في مرحلة اضطراب سياسي خلال العام الجاري إن لم ترتفع أسعار النفط.

وسط هذه الظروف التي ينخفض فيها الطلب العالمي بسبب تدهور الاقتصاد الصيني وانهيارالبورصة واليوان وتداعياتها على النمو العالمي، تصبح مسألة مراجعة السياسات ضرورة عالمية، كما يقول مصرفيون في لندن.

ومن هذا المنطلق يلاحظ أن هنالك تصريحات إيجابية في العام الجديد، صدرت من السعودية وروسيا ومعظم دول “أوبك”. ويرى مصرفيون في لندن، أن هنالك مقترحات سعودية قدمت لكبار المنتجين، إذا تم الموافقة عليها فربما يكون “الملعب النفطي” جاهزاً خلال الشهر المقبل لصفقة خفض الإنتاج.

ووفقاً للأفكار التي يتم الحديث عنها بين خبراء نفطيين ولكن لم تؤكدها الحكومة السعودية، فإن الرياض ربما تبدي استعداداً لخفض إنتاجها النفطي بمعدل مليون برميل يومياً وفق شروط محددة، وهي أن يتضمن خفض الإنتاج المتفق عليه الدول خارج منظمة أوبك مثل المكسيك وروسيا وفنزويلا وكازاخستان. وأن يتعهد العراق بتجميد إنتاجه النفطي عند المستويات الحالية، أما الشرط الثالث فهو مشاركة إيران أيضاً في خفض الإنتاج.


هناك شبه توجه بين المنتجين داخل وخارج منظمة “أوبك” على خفض الإنتاج

وهي شروط مقبولة ومنطقية، حيث أعلنت الرياض في أكثر من مرة أنها لا تعارض خفض الإنتاج ولكنها لا تريد أن تتحمل هي الخفض على حساب حصتها النفطية في الأسواق العالمية.

ومن ناحية روسيا التي تنتج أكثر من 10 ملايين برميل وتواجه أزمة مالية كادت أن تدفع عملتها الروبل نحو الانهيار، هنالك قبول لفكرة خفض الانتاج، ولكن الرياض تريد التزاماً قاطعاً من روسيا بالخفض، وأن لا تكون المسألة خطة لدفع “أوبك” لخفض الانتاج ثم تتراجع موسكو عن تعهداتها مثلما حدث في السابق. 

وفي موسكو قال بيسكوف للصحافيين أمس “بالطبع هناك تبادل لوجهات النظر حول هذه القضية، لكن لم يتم التطرق لهذا الموضوع من الناحية التطبيقية”. 

وبعد زيادة الانتاج العراقي إلى 4 ملايين برميل يومياً، واحتمالات زيادة الانتاج الايراني بكميات تتراوح بين 500 ألف إلى مليون برميل يومياً. تقارب التخمة النفطية مليوني برميل. وبذلك فيرى محللون في الصناعة النفطية أن المقترح السعودي إذا طبق فيسحب 3 ملايين برميل من السوق النفطي وسيعيد مستويات العرض والطلب إلى التوازن بما يسمح للأسعار بالارتفاع ويكسب الجميع. 

وفي ذات الصدد يعتزم وزير النفط الفنزويلي إيولوخيو ديل بينو القيام بجولة في الدول أعضاء منظمة “أوبك” ودول أخرى من خارج المنظمة، في محاولة لحشد التأييد لتحرك مشترك لوقف التراجع في أسعار الخام. ولم يتضح بعد ما هي الدول التي سيزورها وزير النفط الفنزويلي. وتدرس منظمة “أوبك” طلباً من فنزويلا لعقد اجتماع طارئ. وقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو: “يجب أن نوقف هذا الجنون”، وحث على اتخاذ إجراء “واضح ومنطقي ومنسق”. 

وفي ذات الاتجاه دعا الأمين العام لمنظمة “أوبك” عبدالله البدري مطلع الأسبوع الجاري المنتجين من داخل المنظمة وخارجها للعمل سوياً لمعالجة قضية فائض الخام. 

وقال البدري مطلع الأسبوع الجاري: “إنه لأمر مهم أن يتطرق المنتجون إلى قضية تخمة المخزونات، وبمجرد أن تبدأ هذه التخمة في التقلص تبدأ الأسعار في الارتفاع بعد ذلك”. 

وشدد الأمين العام لمنظمة “أوبك” في حديثه أنه من الضروري أن تجلس جميع الدول الكبرى المنتجة للنفط من أجل الوصول إلى حل، إذ أن السوق بحاجة إلى انخفاض المخزونات إلى مستويات تسمح بتعافي الأسعار وعودة الاستثمارات. 

6 عوامل تحدد توجهات الأسعار

وسط هذه المحنة التي تعيشها الصناعة النفطية، شركات ودولاً وأسواقاً، يرى خبراء، أن هنالك ستة عوامل تحدد توجهات أسعار النفط خلال العام الجاري 2016. وهذه العوامل هي: 

أولاً: احتمالات اتفاق السعودية التي تقود منظمة البلدان المصدرة للنفط”أوبك” مع منتجين خارجها وعلى رأسهم روسيا والمكسيك وإيران على خفض معدل الإنتاج بحوالى 3 ملايين برميل يومياً على الأقل. مثل هذا الخفض سيسحب الفائض من السوق الذي يقارب هذا المعدل. ويسمح للأسعار بالارتفاع تدريجياً فوق 35 دولاراً للبرميل فوراً، وربما تتجه الأسعار نحو 40 دولاراً بنهاية الربع الأول من العام الجاري.


من الضروري أن تجلس جميع الدول الكبرى المنتجة للنفط من أجل الوصول إلى حل

ثانياً: توجهات نمو الاقتصاد الصيني الذي يعيش حالياً فترة من الاضطراب تؤثر تداعياتها على النمو الاقتصادي في العالم بأكمله. وحتى الآن لم تتمكن الصين من السيطرة على الانهيار المتواصل في أسواق المال الذي أفقدها حوالى 1.8 ترليون دولار خلال الشهر الجاري. ويعد معدل النمو الاقتصادي في الصين مهماً لحساب معدلات نمو الطلب الصيني على النفط من جهة، حيث أن الصين تستهلك أكثر من 10 ملايين برميل يومياً. ومن جهة ثانية، فإن حساب معدل النمو الصيني ينعكس سلباً وإيجاباً على معدل النمو في الاقتصادات الكبرى، التي يتحدد على أساسها معدل نمو الطلب النفطي في العالم. 

ثالثاً: توجهات إنتاج النفط في أميركا. يلاحظ أن إنتاج النفط الصخري في أميركا تراجع ولكن ليس بالمعدلات المطلوبة. حيث لاتزال كميات التراجع تقل عن نصف مليون برميل. وهنالك توقعات بانخفاض الانتاج النفطي الاميركي بحوالى مليون برميل خلال العام الجاري. 

رابعاً: الطاقة الانتاجية لإيران في أعقاب رفع الحظر. فهنالك تصريحات من مسؤولي النفط في إيران أن طهران ترغب في زيادة إنتاجها النفطي بحوالى مليون برميل يومياً. ولكن خبراء غربيين في الشؤون الايرانية يعتقدون أن ايران لن تستطيع رفع طاقتها الانتاجية بأكثر من 800 ألف برميل في أحسن الأحوال. ورغم رفع العقوبات تواجه الصناعة النفطية المتقادمة مجموعة تحديات وفي حاجة ماسة إلى التقنية الحديثة التي تملكها الشركات الغربية، في وقت لا ترغب فيه الشركات الغربية في الدخول في تعاقدات وسط ظروفها المالية القاسية وعدم رضاها عن العقود التي تعرضها إيران للاستثمار في النفط والغاز. 

خامساً: الكمية التي سيتراجع بها انتاج روسيا النفطي. لقد تأكد من تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة” لوكأويل”، كبرى الشركات النفطية في روسيا أن إنتاج روسيا من الخام سيتراجع خلال العام الجاري، ولكن لن يصل هذا التراجع فوق 500 ألف برميل يومياً. 

سادساً: حجم تراجع الإنتاج النفطي في كندا وحقول المياه العميقة. 

هذه المعادلات الستة تعتبر من أهم محددات النفط في العام الجديد، ولكن الأسواق تترقب حالياً، اتفاق كبار المنتجين على خفض الإنتاج، وهو العامل الأهم في سحب الفائض.

اقرأ أيضا: النفط يتراجع في انتظار تعاون روسيا وأوبك لدعم الأسعار