قرأت لافتةً مرفوعة في مظاهرات تونس الأخيرة احتجاجاً على البطالة وسوء الأحوال المعيشية تقول “اللي أنجزوه الشباب اختطفوه الشيّاب”. وإذا تجاوزنا الخطأ النحوي على غرار “أكلوني البراغيث”، فإن هذه اليافطة تعبر كثيراً عن العلاقة بين جيل الشباب وجيل الشياب والكهول في الوطن العربي، بل وفي العالم.

تقول الإحصائيات الديموغرافية العالمية، إنه إذا بقيت المعاملات الأساسية الديموغرافية تتحرك بالوتيرة نفسها التي نشهدها الآن، مثل معدلات الولاده (أو الازدياد)، ومعدلات الوفاة، ونسب الخصوبة، فإن العالم مقدمٌ، في نهاية القرن، على ظاهرة عجيبة. وهذه هي التفوق العددي للمعمرين الكبار على الشباب والأطفال.. أي أن الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر سيكونون أكثر عدداً ممن هم دون سن الثلاثين.
ولهذه الظاهرة خطورتها، ولا أدل على ذلك مما جرى في الصين. وقد حضرت المؤتمر السكاني الذي عقدته الحكومة الصينية، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة للنشاطات السكانية العام 1981 بصفتي خبيراً، للتدارس في الأعداد المتزايدة لسكان العالم. وقد اتخذت الصين عندها قراراً يملي على كل أسرة فرصة إنجاب طفل واحد فقط، ذكراً كان أم أنثى، صحيح الجسم أم سقيمه، واستثنت من ذلك بعض الأقليات، لكنها عادت لاحقاً وفرضت سياسة طفل لكل أسرة على الجميع بدون استثناء.
وقد أفرزت هذه السياسة سلوكيات غريبة، فصارت الأسر التي تنجب فتيات تئدهن أو تقتلهن، أو تقوم المرأة الحامل، التي تعرّف جنس الجنين إن كان فتاة، بالإجهاض. ولذلك، تفوق عدد الذكور من الأطفال على الفتيات، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية.
مع الوقت، نشأ الجيل الثاني من الأطفال الوحيدين بمفهوم جديد عن معنى الأسرة والأقارب. فهذا الطفل الوحيد الذي جاء هو نفسه من أب وأم وحيديْن، لا يعرف معنى العم والعمة، أو الخال والخالة، أو ابن الخال وبنت الخال، أو ابن العم وبنت العم، وهو قد دلّل، إلى حد الإسراف، من أبويه.

هوة الثروة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، مرشحة للاتساع أكثر

وأدى هذا الأمر إلى العزوف عن الزواج، أو التأخر فيه. وكذلك فإن الانفتاح واختبار طرق العيش المشترك بدون زواج جعل مشروع الزواج أقل جاذبية. وبتحسن مستوى المعيشة، وانتقال كثيرين من الريف إلى المدن، ومن الفقر إلى الاستهلاك، قلت الرغبة في تحمل المسؤوليات.
ولكن تطور الوسائل الصحية جعل الكبار يكثرون عدداً، في مقابل تقلص أعداد الأجيال الجديدة. من هنا، اختلت المعادلة بين الأطفال والشيوخ. وصارت مسؤولية العناية بالمتقاعدين وكبار السن مكلفة ولا تجد أعداداً كافية لأدائها.
ذكّرنا الاقتصاديون كذلك أن معظم مصادر الاستثمار في العالم تأتّي من صناديق الادخارات التقاعدية. وهذه تبقى متاحة ومتوفراة، طالما أن ما يصرف على المتقاعدين يبقى معقولاً.
أما إذا كثر المتقاعدون والعاطلون عن العمل والمعلولون والمصابون، فإن أرصدة هذه الصناديق تستنفد بسهولة. وتنضب منها الأموال المتاحة للاستثمار. وقد تنبأ اقتصاديون وديموغرافيون أن هذا الحال سيؤدي إلى “موت الاقتصاد”.
وفي عالمنا العربي اليوم، نرى أن أعداد الشباب تتناقص لأسباب كثيرة. فنسبة المواليد في الدول متوسطة الدخل آخذة في التراجع. وبسبب تكاليف الزواج، واتساع الفقر والبطالة، يرتفع سن الزواج، وترتفع معه نسبة العنوسة، خصوصاً بين الإناث. ولذلك، تراجعت معدلات الخصوبة إلى نصف ما كانت عليه قبل عقد ونصف، في دول عربية كثيرة.
ويضاف إلى ذلك، هجرة الشباب للخارج وعدم عودتهم إلى بلدانهم، وزواجهم من فتيات في الدول التي هاجروا إليها. وكذلك، فإن الربيع العربي، وما سبقه من حروب في العراق، وفلسطين، ولبنان قد أدت إلى مقتل شبابٍ كثيرين، فزادت أعداد النساء من الأرامل والعوانس.


تنبأ
اقتصاديون وديموغرافيون أن هذا الحال سيؤدي إلى “موت الاقتصاد”

ولذلك، سيتحمل الشباب عبء كبار السن، وتكاليف رعايتهم، واحتمال تراجع عوائدهم من مؤسسات التقاعد والضمان الاجتماعي. وفي هذا خطر على مستقبل الأمة كلها، خصوصاً إذا تذكّرنا أن دول الفائض العربي، مثل دول الخليج، والعراق وسورية والجزائر، ما عاد لديها فوائض للآخرين، وأنها تمر بتحدياتٍ صعبة، أقلها تراجع أسعار النفط وعائدات الاستثمارات الخارجية وكلف الحروب.
ولذلك، فالمتوقع مع نقص منافذ الفرج، وتضاؤل فسحة الأمل أمام الشباب، ويأسهم من أن تحل مشكلاتهم في المدى المنظور، أن يبدأوا في ثورة جديدة. وما يجري في تونس، الآن، ليس ثورة، ولا طلب تغيير نظام الحكم، بل احتجاج وصراخ البائس الذي لا يرى في المستقبل أي وعدٍ بالخير.
ما يجري في بعض بلدان الوطن العربي انتحار، أو ما يقاربه، وتهديم للثروة، وتمزيق للمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، وتبديد للطاقات والتآلف والتعايش. فكيف سيحكم الشباب على جيل الشيّاب؟
لا شك أن الهوة التكنولوجية، وما يتحدث العالم عنه من تحديات الثورة الصناعية الرابعة، أو ما يسمى، أحياناً، جيل الآلات الثاني، وتطور الذكاء الاصطناعي، واستبدال الآلة مكان الإنسان في العمل، يبشر بعالم جديد قد يكون غير قادر على الاستمرار.
كان الاقتصاديون الكلاسيكيون، وحتى المجددين من بعدهم، يعتقدون أن الآلة لا تحل مكان الإنسان على المستوى الكلي، وإن كان هذا صحيحاً على المستوى الجزئي.. فالسيارة التي حلت محل سائقي العربات المجرورة بالحيوان خسروا وظائفهم، لكن صناعة السيارة أوجدت آلاف فرص العمل الجديدة، لكن الخوف من الثورة الصناعية الرابعة، أن انتشار “الروبوت” وتغلغله إلى كل الصناعات والنشاطات الإنسانية، قد يخلق بعض الفرص، لكن الفرص التي يختزلها أكبر بكثير. ومن هنا، فإن معدلات البطالة مرشحة للزيادة بقفزات كبيرة.
ليس الوطن العربي معنياً حالياً بالذكاء الاصطناعي، ولا بآثاره على الاقتصاد الدولي، فلديه ما يكفيه من المشكلات. ولكن، لا شك أن ما يجري في العالم قد يفاقم الأزمات، ويؤدي إلى مزيد من التوتر… من جيل الكبار وجيل الشباب.
هوة الثروة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، مرشحة للاتساع أكثر. فهل نحن على أبواب ثورات فكرية وإنسانية جديدة، تتيح مزيداً من المساواة والعدالة؟

اقرأ أيضا: احتجاجات واسعة في تونس ضد الفقر والبطالة