اعتبر خبراء اقتصاديون إن "الأموال الساخنة" باتت تتحكم في حركة الاقتصاد المصري في الآونة الأخيرة، وأصبحت أحد المحددات الرئيسية لقيمة الجنيه مقابل الدولار.

 

والأموال الساخنة هي مصطلح يستخدم على نطاق واسع للإشارة إلى تدفق رؤوس الأموال من دولة إلى أخرى لكسب فائدة بسيطة على سعر الفائدة لتغيير سعر الصرف، وقد أطلق عليها هذا الاسم لسرعة تحرك الأموال بصورة مفاجئة، ما يؤدي إلى عدم استقرار السوق.

 

ورغم مرور أكثر من 170 يوماً على قرار تعويم الجنيه، لم تظهر بوادر التحسن في أدوات التمويل المتاحة للموازنة العامة سوى في 3 فرص تمويلية، من بينها التدفقات الرأسمالية الأجنبية في أذون الخزانة أو ما يعرف بالأموال الساخنة التى تجوب العالم بحثا عن المكسب السريع، إلى جانب قرض صندوق النقد الدولي، وإصدار سندات دولية.

 

ووفقا لوكالة بلومبرج فإن الأموال الأجنبية التي دخلت في صورة سندات الدين لم تستطع ترويض عائد الدين الذي يظل الأعلى وسط الأسواق الناشئة في العالم في ظل صخب الاقتراض الحكومي.

 

وذكرت بلومبرج أن متوسط عائد الدين المصري قفز 84 نقطة أساس هذا العام ليبلغ 17.5%، مقارنة بزيادة متوسطها 13 نقطة أساس بالعام السابق، كما ارتفع بنسبة 4.73 % بين 31 دولة.

 

وأوضح خبراء لـ"مصر العربية" أن الاعتماد على نمط تمويلي واحد عبر الاقتراض المحلي والخارجي يزيد من أعباء الموازنة ويضاعف التكلفة على المدى القصير في ظل ضعف العملة، وارتفاع مستويات العائد.

 

وأكد الخبراء أن أزمة سعر الصرف حتى الآن يتحكم فيها الاعتماد على الاقتراض بشكل كبير، وعلى تدفقات الأجانب في أذون الخزانة الحكومية، إلا أنها لها تأثير إيجابي على الاحتياطي ولو بشكل مؤقت.

 

ويرى الخبراء أن تأجيل صرف الدفعة الثانية من قرض صندوق النقد دفع الحكومة لإصدار أدوات دين من أذون وسندات في أعلى مستوى على الإطلاق لتبلغ 342 مليار جنيه.

 

وتستحوذ الأموال الساخنة- الممثلة في استثمارات الأجانب في أذون الخزانة- نحو 42% من قيمة الزيادة في الاحتياطي خلال عام، ونحو 17.5% من إجمالي الاحتياطي بنهاية مارس الماضي.
 

وارتفع الاحتياطي الأجنبي إلى 28.5 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، مقابل 16.56 مليار دولار في مارس 2016، بزيادة 72% خلال عام(نحو 11.94 مليار دولار).
 

وبحسب آخر تصريحات لنائب وزير المالية للسياسات الكلية أحمد كوجك، إن حجم استثمارات الأجانب في أذون الخزانة وصل لـ 5 مليارات دولار حتى منتصف أبريل.
 

ضعف الجنيه

 علاء سماحة، مستشار وزير المالية الأسبق، قال إن ارتفاع القوة الشرائية للدولار أمام الجنيه المصري بجانب العائد الجيد عاملان أساسيان وراء تزايد استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية.

 

وأوضح سماحة لـ"مصر العربية" أن القرارات التى أعقبت التعويم في نوفمبر الماضي، وفي مقدمتها رفع القيود عن تحويلات الدولار سواء للخارج أو من الداخل والذي يدعم التدفقات الأجنبية في كل القطاعات، إلا أن الآثار لم تظهر بعد سوى في أدوات الدين الحكومية.

 

وذكر مستشار وزير المالية أن المستثمر الأجنبي يفضل شراء أدوات الدين قصير الأجل نظراً لقرب فترة التحصيل التي لا تتجاوز مدتها عام، وفي ظل عائد مرتفع لا يحصل عليه بالاستثمار في الخارج، أو حتى عند الاستثمار في السندات التي يمتد أجالها بين 3 إلى 10 سنوات.

 

وأكد أن انخفاض توقعات النمو الاقتصادي لمصر، خاصة الصادرة من صندوق النقد والبنك الدولي إلى أقل من 4% خلال العام المالي الجاري، يزيد الضغوط على الاقتصاد، ويقلص أدوات الحكومة المتاحة لتحجيم تدخل الأجانب في حركة الجنيه، والمضاربة عليه.

 

تضاعف الاقتراض

 

وبدورها، قالت وزارة المالية، إنها تعتزم إصدار أذون وسندات خزانة بقيمة 342 مليار جنيه خلال الربع الرابع من العام المالي2016-2017، مقابل نحو 299 مليار جنيه في الربع السابق، في أعلى مستوى للاقتراض على أساس ربعي.

 

وأضافت الوزارة في خطة إصدارات الربع الرابع، إن أذون الخزانة تستحوذ على94 % من الإصدارات خلال فترة الثلاثة أشهر ( أبريل – يونيو) لتبلغ 321.5 مليار جنيه.

 

وأوضحت، أنها تستهدف طرح سندات خزانة بقيمة 20.5 مليار جنيه، عبر 4 أجال متنوعة في الربع الرابع.

 

وتستدين الحكومة المصرية من خلال سندات وأذون الخزانة على آجال زمنية مختلفة لتمويل عجز الموازنة.

 

ويعكس اعتماد مصر على الأذون ذات الأجل الكبير إلى أزمة تمويلية تتفاقم يوم تلو آخر، في ظل انخفاض معدل النمو وتراجع الإيرادات العامة وارتفاع المصروفات، مما يزيد عجز الموازنة لمستويات غير آمنة.

 

وعقب التعويم تزايدت توصيات مؤسسات التمويل الدولية بشراء أدوات الدين الحكومية، وذهبت إلى أن سوق أدوات الدين المصري وأذون الخزانة يعتبر حاليا سوقاً واعداً، ويمثل فرصة حقيقة للاستفادة من رخص سعر العملة المحلية (الجنيه) وبلوغها مستويات تاريخية.

 

ويمتد أجل أذون الخزانة المصرية بين 3 أشهر إلى عام، ويتراوح العائد عليها بين 19.397% إلى 19.131%، فيما يتراوح العائد على السندات بين 17.263% إلى ..134.

 

وكان عائد أدوات الدين الحكومية قد ارتفع لمستويات قياسية عند 20% بعد رفع أسعار الفائدة بنسبة 3% وتحرير سعر الصرف في 3 نوفمبر الماضي.

 

أموال ساخنة

واعترف عمرو الجارحي وزير المالية خلال زيارته في واشنطن، أن الاعتماد الرئيسي على إصدارات أذون وسندات الخزانة لا يجب أن يكون علي هذا النمط التمويلي فقط.

 

وقال الوزير إن الاستثمار في أدوات الدين يطلق عليها أموال ساخنة، وما نعتمد عليه بشكل أكبر الاستثمار المباشر.

 

وأوضح الجارحي، أنه تم إصدار سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار، وارتفع استثمار الأجانب في أذون الخزانة الحكومية من 15 مليار جنيه قبل التعويم ( تعادل 828 مليون دولار) لترتفع إلى 79 مليار جنيه (تعادل 4.08 مليار دولار)، بزيادة 64 مليار جنيه في الشهرين الأخيرين.

 

وتابع الوزير: "قبل 2011 كان حجم استثمار الأجانب في هذا الأدوات يبلغ نحو 11 مليار دولار ، وهو مبلغ يساوي اليوم 30 مليار دولار، ما يعني أن هناك فرص نمو في هذا المجال بشكل كبير".

 

وتخطط مصر لطرح سندات دولية بقيمة 6 مليارات دولار خلال 2017، بهدف دعم التدفقات النقدية لتمويل البرنامج الاقتصادي المصري.

 

زيادة التنافسية

وقال هاني فرحات، الخبير الاقتصادي لدي بنك الاستثمار "سي آي كابيتال"، إن المتغيرات التي طرأت على الاقتصاد في الآونة الأخيرة ترفع من تنافسية أدوات الدين لاستقطاب فئات جديدة من المستثمرين الأجانب بعكس حالة الركود التي سبقت قرار التعويم.

 

وأوضح فرحات لـ "مصر العربية"، أن التحسن الملحوظ في استثمارات الأجانب من شأنه أن يدعم الاحتياطي الأجنبي لمصر ولكن بشكل مؤقت لأن أجل الأذون لا يمتد أكثر من عام، ويتطلب الأمر الاستمرارية في التدفقات القادمة، خاصة بعد الحصول على قرض صندوق النقد الدولي.

 

وحصلت مصر على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد لتمويل برنامج اقتصادي على مدار 3 سنوات، واستملت مصر الشريحة الأولى بقيمة 2.75 مليار دولار.

 

وأدى حصول مصر على الشريحة الأولى من قرض الصندوق في خفض إصدارات أدوات الدين في الربع الثاني من العام المالي الجاري (أكتوبر – ديسمبر) بقيمة بلغت 67 مليار جنيه.

 

ولفت الخبير الاقتصادي لدي "سي آي كابيتال"، إلى أن التدفقات انخفضت قيمتها مع تحسن قيمة الجنيه في فبراير الماضي عندما كان الدولار يدور حول مستوى 15 إلى 16 جنيه، في حين زادت التدفقات بعد وصول الدولار لأعلى من 18 جنيه في السوق.

 

تذبذب السوق

وقال هاني توفيق، الرئيس السابق للجمعية المصرية للاستثمار المباشر، إن تذبذب سوق الصرف في مصر خلال الفترة التي أعقبت تحرير أسعار الصرف يرجع إلى ظاهرة "الأموال الساخنة" التى تدخل في استثمارات أذون الخزانة الحكومية.

 

وأضاف توفيق لـ"مصر العربية" أنه من الواضح أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين قصيرة الأجل ستظل لها دور في حركة سعر الصرف على القريب، بحيث تنشط مع انخفاض قيمة الجنيه، لتستفيد من عائد إضافي يصل 12.5% بخلاف العائد المقرر في طروحات الحكومة.
 

وأوضح الرئيس السابق للجمعية المصرية للاستثمار المباشر، أن المستثمرين مؤخراً أحجموا عن شراء أذون الخزانة عندما انخفض سعر الدولار لمستوى 15.75 جنيه، بل واتجهوا لبيعها وشراء الدولار بالسعر المخفض، مع انتظار فرص انخفاض سعر العملة مرة أخرى لتكرار العملية.

 

وأشار توفيق، إلى أن البنك المركزي استخدم حصيلة أذون الخزانة واستخدامها للسيطرة على سعر الصرف، بغض النظر عن كونها أموالاً ساخنة تجوب العالم للبحث عن الربح السريع.