بعد أسبوع واحد من الإلغاء الرسمي للعقوبات الدولية المفروضة على طهران، ودخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، يقوم الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بجولة أوروبية بدأها أول أمس، الإثنين، في إيطاليا، ويختتمها بزيارة إلى فرنسا.

ويرافق روحاني في هذه الزيارة وفد من 120 شخصاً، بينهم عدد مهم من ممثلي القطاعات الاقتصادية الإيرانية الرئيسية. وتندرج هذه الزيارة في سياق عودة إيران إلى الساحة الاقتصادية الدولية، بعد غياب طويل بسبب العقوبات.
ومن المقرر أن تنصبّ المحادثات بين روحاني والرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، حول تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين وعودة الشركات الفرنسية الكبرى إلى السوق الإيرانية. واستبقت طهران هذه الجولة الأوروبية بإعلان وزير النقل عباس أخوندي، الأحد الماضي، أن روحاني سيوقع خلال زيارته باريس عقداً لشراء 114 طائرة إيرباص لتعزيز الأسطول الجوي الإيراني، الذي عانى بشكل خاص خلال فترة العقوبات بسبب الحظر الدولي على بيع الطائرات لإيران. ومن المنتظر أن يوقع روحاني وهولاند على “بروتوكول اتفاق” وهو أول مرحلة في صفقات من هذا النوع، تليها خطوات أخرى لاحقا أكثر تفصيلا وشمولية إلى أن تصل إلى العقد النهائي.
وكان وزير النقل الإيراني قد لفت الانتباه، الأحد الماضي، خلال معرض لشركات الطيران العالمية في طهران، إلى أن “إيران في حاجة إلى حوالى 500 طائرة نقل من نوع إيرباص وبوينغ من أجل تعويض أسطولها الجوي المتقادم وتطويره”، ولتسيير الرحلات بين طهران وبقية العواصم العالمية، وفتح خطوط جديدة نحو العواصم الآسيوية. ومن المنتظر أن تفتح ايران ورشات كبرى لإصلاح مطاراتها وبناء مطارات جديدة تستطيع استيعاب طائرات إيرباص الضخمة في ظروف آمنة.
وستدشن هذه الصفقة بداية تطبيع اقتصادي بين باريس وطهران وفاتحة للتفاوض حول عدد من المشاكل الاقتصادية العالقة بين البلدين، يعود بعضها إلى بداية الثورة الإيرانية. ومن بين هذه المشاكل قضية الشراكة بين البلدين لإنتاج سيارة “بيجو” وبيعها في السوق الإيرانية. وكانت إيران وفرنسا قد أقامتا شراكة لإنتاج حوالى 300 ألف سيارة وتسويقها في إيران وفق بروتوكول يقضي باستيراد الأجزاء من شركة بيجو، وتجميعها في مصانع إيرانية. غير أن العقوبات الدولية أثرت سلبا على هذا الاتفاق بعد فرض حظر التحويلات المالية من وإلى إيران. وتحايلت طهران لاحقا على المنع، ولجأت إلى الهند والصين لاستيراد أجزاء سيارات” بيجو”، واستمرت في إنتاج نسخة إيرانية من هذه السيارة لبيعها في السوق المحلية، وأيضاً في السوق الآسيوية، مما شكل خسارة كبيرة للشركة الفرنسية الأم.

“بيجو” الفرنسية تتجه نحو الاستثمار في طهران”

ومن المتوقع أن يتم خلال هذه الزيارة تذويب هذه الخلافات، وتوقيع عدد من الصفقات المهمة بين إيران وفرنسا في مجال تصنيع السيارات، خاصة مع شركة “بيجو”، التي وصلت مفاوضاتها لعقد شراكة مع شركة “إيران خودرو” للسيارات إلى مراحل متقدمة، وتهدف إلى تصنيع مشترك لسيارة “بيجو 301” مخصصة للسوق الإيرانية والآسيوية. وللإشارة فقبل خروج “بيجو” من السوق الإيرانية عام 2012، كانت هذه الأخيرة تصدر حوالى 460 ألف سيارة إلى إيران التي صارت وقتها أهم سوق للشركة بعد السوق الداخلية الفرنسية.
ومن المنتظر أيضاً أن تشمل المحادثات بين الوفدين سبل عودة شركة توتال النفطية إلى إيران، التي تعتبر سابع منتج للنفط في العالم رغم الحظر الدولي. وكانت توتال قد أوقفت كل نشاطاتها في إيران عام 2008 ولكنها احتفظت بمكتب لها في طهران، وهي تتطلع إلى دراسة العروض الإيرانية للاستثمار في مجالي النفط والغاز.
كما سيتم بحث تطوير استثمارات الفندقة الفرنسية في إيران، وتعزيز حضور المجموعة “أكور هوتيلز”، التي كانت أول مجموعة فندقية أجنبية تستثمر في إيران، وفتحت العام الماضي فندقي “إبيس” و”نوفوتيل” في طهران بشراكة مع شركة “آريا زوغورات” الإيرانية، وتبلغ قدرة استيعاب الفندقين 296 غرفة بالنسبة لإبيس و196 غرفة لنوفوتيل، ويبعدان حوالى 45 كيلومترا عن مطار الخميني الدولي. وتتطلع “أكور هوتيلز” إلى توقيع عقود جديد لبناء المزيد من الفنادق الكبرى والصغيرة في إيران، في سياق تشير فيه التوقعات إلى حاجة ايران إلى مئات الفنادق لتشجيع وتطوير السياحتين الداخلية والخارجية. وتشير التوقعات إلى الإمكانات الهائلة لتطوير القطاع السياحي الذي عرف جمودا كبيرا بسبب العقوبات الدولية وعزلة إيران السياسية منذ اندلاع الثورة الإسلامية.
ويسود الأوساط الاقتصادية تفاؤل كبير بزيارة روحاني، بالنظر إلى الاحتياجات الهائلة لإيران في مجال البنى التحتية والطرقات وشبكات المياه، وهو الاختصاص الذي تتألق فيه مجموعات فرنسية ضخمة مثل “بويغ” و”فانسي” و”إيفاج” و”فيوليا”.
وكان وفد من رجال الأعمال وممثلي 120 شركة فرنسية، برعاية النقابة الفرنسية لأرباب العمل، قد زار طهران في سبتمبر/أيلول الماضي وعقد سلسلة من اللقاءات مع الإيرانيين تمهيدا لعملية تطبيع اقتصادي وتجاري بين باريس وطهران، بعد التوقيع على الاتفاق النووي مع الدول الغربية الكبرى.
وتعول الحكومة الاشتراكية على قطف أقصى حجم ممكن من العقود مع إيران، خلال هذه الزيارة لإعطاء زخم جديد للاقتصاد الفرنسي، الذي يعاني ركوداً وعجزاً في الموازنة.