Image copyright Thinkstock

جرّبت في السنين القليلة الأخيرة كل أنواع الحيل المتعلقة بزيادة الإنتاجية لأنجز عملي ببراعة أكثر. واستخدمت، من بين تلك الحيل، أسلوبا للعمل على فترات متقطعة يتخللها وقت للراحة كل 25 دقيقة.

اتبعت في عملي نظام الفترات المتقطعة التي تفصلها فترات للراحة كل 25 دقيقة، أقوم أثناءها بوضع حد لإدماني على مواقع التواصل الاجتماعي عن طريق استخدام تطبيق معين على الكمبيوتر، وتعطيل الإنترنت تماماً.

كنت أتصور أن إبعاد الأشياء التي تشتت انتباهي عن العمل، مع الحفاظ على تركيزي على هدفي المطلوب، سيجعلني أكثر إنتاجية لساعات متوالية ما دمت أواصل عملي.

لكن المشكلة لم تكن في ما يلهيني، بل كانت تتمثل في طريقة تفكيري، وسلوكياتي.

كان البريد الالكتروني والرسائل القصيرة الظاهرة على شاشة هاتفي هي التي تجعل ذهني يشردـ حتى عندما كنت أحاول التركيز على مهمة محددة من مهام عملي.

وعلى الرغم من وضع قائمة مفصلة للمهام التي علي القيام بها، كنت أشعر وكأني قادر فقط على إتمام جزء من تلك المهام في كل يوم قبل أن أعلن إنسحابي من إنجاز المتبقي منها، وذلك لأني كنت متعباً.

ينسجم هذا القول مع آخر الأبحاث التي أجريت حول الإنتاجية في العمل. فالعمل بذكاء وبراعة أكثر لا يتعلق حقاً بالتركيز على التفاصيل لضمان الإنتاجية، بل إنه يتعلق بالتركيز على طاقتنا الذاتية التي نتحكم فيها خلال أوقات العمل والراحة.

يصعب قياس مستويات الطاقة تلك، لكن تتبّع شعورك في ساعة ما خلال العمل يمكن أن يساعد في تحديد الجدول الزمني الخاص بك عندما تكون قدرتك على الإنتاج على أفضل حال، كما يرى "فليب براون"، مؤلف كتاب "الفعالية المتوازنة في العمل: السبيل للتمتع بثمار جهودك في العمل دون فقدان صوابك".

وحسب قوله، فإن أغلب العاملين ليسوا صادقين مع أنفسهم فيما يتعلق بمقدار تحملهم لأعباء العمل كل يوم. وكما يوضح "براون": "تظهر للبعض أوهام حول قدرتهم على إدارة الوقت، مما يثير مصاعب في إدارة طاقتنا في العمل".

ويحتفظ "براون" بأكثر مهامه صعوبة لينجزها خلال "فترات الطاقة العالية" ما بين الثامنة صباحاً والثانية عشرة ظهراً، وما بين السابعة مساءً والثامنة مساءً.

متابعة نشاط العاملين

هناك نهج ما في إدارة الطاقة الذاتية في العمل يعتبر زيادة تواجدك في مكان العمل والبقاء لساعات إضافية عاملا أساسيا للنجاح والتفوق على الآخرين.

لكن في الحقيقة، يمكن لهذا النهج أن يضرّ بقدرتك على الإنتاج. كما أن إدراك الوقت والطريقة التي تشعر معهما بأنك على أفضل حال، يمكنه أن يساعد في متابعة وضبط طاقتك الذاتية، واستخدامها على أفضل وجه، حسب قول الخبراء.

Image copyright Thinkstock

وتقول تيريزا ويلبورن، أستاذة المال والأعمال في جامعة نبراسكا بالولايات المتحدة الأمريكية: "ربما لا تريد استخدامها على أفضل وجه ـ إنها أشبه بمعدل نبضات الجسم". وقد عكفت ويلبورن على دراسة مفهوم طاقة العمل لما يقرب من 20 سنة.

وبالنسبة للمبتدئين، سيحتاجون لفهم كيفية تأثير يوم العمل على مستويات الطاقة لديهم. وتطلب "ويلبورن" من العاملين، عند التحاقهم بالعمل لدى الشركات، أن يسجلوا ملاحظاتهم عن الأوقات التي تزداد وتقل فيها قدراتهم على العمل يومياً.

وقد ابتكرت ويلبورن مؤخراً تطبيقا لتقييم القدرة على العمل لمساعدة العاملين على تتبع مستويات طاقتهم اليومية.

وبهذا الشكل، يمكن الاحتفاظ بسجلات رسمية بهذه المعلومات مما يساعد الموظفين على تفهم الفوارق بين المهام التي تزيد من طاقتهم، (مثل التعامل مع زملائهم المفضلين) وبين مهام أو أشخاص يستهلكون تلك الطاقة، (مثل حضور اجتماع ممل)، كما تقول ويلبورن.

عندما تشعر بوقت امتلاكك لطاقتك العظمى لإنجاز المهام الأهم، سيمكنك البدء في استغلال طاقتك خلال الأوقات الملحّة وذات الأهمية (بدلاً من الاحساس باستنفاد طاقتك في وقت لاحق من يوم العمل).

على سبيل المثال، ربما يريد من يعمل في مجال تطوير برامج الكمبيوتر تدفقاً مستمراً لطاقته طوال اليوم، بينما يجد مندوب المبيعات فائدة أكثر من دفقات الطاقة العالية خلال لقائه مع عملائه، حسبما تضيف ويبلورن.

وخلال المواقف العصيبة، يمكن لهورمون الأدرينالين أن يعطي دفعة سريعة للطاقة، مع أنه يساهم في ارتفاع نسب الإجهاد بشكل عام.

ولذا، لا تتوقع الكمال عندما تتعلق المسألة بإدارة الطاقة الذاتية. إن مفتاح الحل هو الإيمان بأن حياتك الخاصة والمهنية، على حد سواء، لن يكون لهما أي تأثير إيجابي دائم على طاقتك.

وللاستفادة القصوى من يوم عملك، تنصح ويلبورن بأن يضع العاملون نصب أعينهم أن يكون 60 في المئة من يومهم مليئاً بالنشاط والمرح.

فتلك الروح الإيجابية ستساعد الناس على التعامل مع المتبقي من يومهم، أي 40 في المئة من يوم عملهم، والذي غالباً ما تكتنفه تحديات ومصاعب أكثر. وتضيف: "لن يحفزك وقت عملك على أن تكون نشيطاً طوال الوقت."

تعلّم حيل الطاقة الذاتية

"إحدى المهارات الأساسية لمنع الإرهاق تتمثل في أن نتعلم كيفية إدارة طاقتنا الذاتية عن طريق تنظيم إنتباهنا وتركيزنا"، كما تقول "ليندل غريغوري"، مدربة القدرات الذهنية المقيمة في مدينة بريزبن الاسترالية، وهي تنظّم ورش عمل عن هذا الموضوع لموظفي الشركات.

Image copyright Thinkstock

ويمكن لتوجيه التركيز على المهمة الموجودة في متناول اليد أن يساعد في "تحرير المجال الذهني لكي يستجيب أكثر، بدلا من أن يتأثر فحسب"، كما تقول.

ولمساعدة الموظفين على التعامل مع الإجهاد ومستويات الطاقة الذاتية المنخفضة، توصي "غريغوري" بـ10 دقائق من التأمل يومياً، أو قضاء وقت هاديء، أثناء ساعات العمل، بعيداً عن شاشات الكمبيوتر أو عن قائمة الواجبات اليومية.

كما أن لعقلية الشخص أو طريقة تفكيره دور رئيسي في الإسهام في مواصلة التركيز بغرض الحفاظ على الطاقة الذاتية لكي تُستعمل في مهمات محددة.

توضح "غريغوري" ذلك قائلة: "إن الوعي التام (أو اليقظة) يضع حداً لإدماننا على الإنشغال، وبالتالي يمكننا التركيز على الأمور الصائبة وليس غيرها."

تعلّم كيف تتحكم في طاقتك

سواء كنت في المنزل أو في مكان العمل، هناك أربع مساحات أو مجالات لضبط طاقتك الذاتية، والتحكم فيها، ويشمل ذلك المساحات الجسمانية، والعاطفية، والعقلية، والروحية، كما تقول "آني بيرين"، نائبة الرئيس التنفيذي لشركة "إينرجي بروجيكت" الإستشارية بنيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية. وتتعامل هذه الشركة مع شركات عالمية شهيرة، مثل سوني، وغوغل.

غالباً ما يشعر العاملون بعدم توازن في واحدة أو أكثر من هذه المساحات الرئيسية المذكورة، مما يمكن أن يؤدي إلى مستويات منخفضة من الطاقة الذاتية. إن معرفة كيفية مواجهة الإجهاد في تلك المساحات الأربع يمكن أن يسهل عليك الحفاظ على قدرتك الإنتاجية.

وتوصي "بيرين"، من أجل تجديد النشاط البدني، بالتركيز على التغذية الصحية وقضاء وقت فراغ بعيداً عن موقع العمل. يمكن أن يؤدي الذهاب في نزهة، على سبيل المثال، إلى الإسراع في تجديد النشاط والطاقة، لأن ذلك سيعمل على إفراز الكثير من مادة "الإيندورفين" في الجسم، والتي تقلل من الإجهاد.

Image copyright Thinkstock

يمكن لتناول وجبة خفيفة من اللبن، أو دقيق الشوفان، أن تزود الجسم بطاقة متواصلة على مدى فترة طويلة من الزمن، وذلك عن طريق الحفاظ على مستويات ثابتة للسكر في الدم.

أما سلامة الجانب العاطفي أو النفسي، فتأتي عن طريق تجنب التوتر، أو كل ما من شأنه أن يحفز المشاعر السلبية لديك، مثل مراجعة البريد الالكتروني بشكل متواصل، أو تصفح الفيسبوك لكي ترى كيف يستمتع أصدقاؤك بقضاء وقتهم في عطلاتهم بعيداً عن أعمالهم.

ولتعزيز أو تجديد الطاقة الذهنية ينبغي تجنب العمل المتواصـل، وأخذ قسط من الراحة لفترات قصيرة خلال اليوم. تقول بيرين: "يمكن تجديد طاقتك الذهنية عن طريق إعطاء قسط من الراحة لذهنك كي لا يقوم بعمليات تحليلية".

كما أضافت أن مجرد تصفح مواقع التواصل الاجتماعي يشكل نوعاً من أنواع "التجديد بمستويات متدنية".

إحدى الحيل الأخرى لإعادة تنشيط الذهن بين اجتماعين تكون عن طريق التركيز بعيداً عن المهمة المطروحة للنقاش، وقضاء بعض الوقت في محادثات سطحية، لا تخص العمل، مع زملائك.

وأخيراً، فإن الحفاظ على الطاقة عبر الإشباع الروحي يعني "إيجاد توازن بين اهتمامك بنفسك واهتمامك بالآخرين"، سواء كان ذلك في مكان العمل أو خارجه، حسبما توضح بيرين.

إن فهمك وإدراكك لكيفية إدارة وتنظيم هذه العوامل الرئيسية المرتبطة بتوفير الطاقة، سيساعد في ضبط مستويات تلك الطاقة لديك.

تقول بيرين: "إن الطريقة التي نحتاجها لتأمل طاقتنا الذاتية هي طريقة متعددة الأوجه والأبعاد."

يمكنك قراءة الموضوع الأصلي على موقع BBC Capital.