إنها معركة “كسر عظم” بين الصين والمضاربين على عملتها اليوان، حيث تدير صناديق الاستثمار والتحوط العالمية حرباً شرسة على العملة الصينية التي يتوقع بعض المحللين والمؤسسات المالية أنها ستنخفض بمعدل كبير خلال العام الجاري وربما بنسبة تصل إلى 50%.

وتأتي هذه الرهانات على انخفاض اليوان رغم أن بنك الشعب الصيني “البنك المركزي”، يؤكد على أن اليوان لن ينخفض وسيستمر في نطاق التعويم المحكوم أمام الدولار، كما تأتي رغم التحذيرات التي أصدرتها الحكومة ضد كبار المضاربين وعلى رأسهم الملياردير جورج سورس الذي تخصص في إجبار البنوك المركزية على التخلي عن سياسة التعويم المحكوم بنسبة محددة.
وكان صندوق الملياردير سورس قد كسب في يوم واحد مليار دولار من المضاربة على الجنيه الإسترليني، حينما كان مرتبطاً بهامش ذبذبة محددة مقابل اليورو، وتمكن من إجبار بنك إنجلترا “البنك المركزي” من التخلي عن الارتباط باليورو، وبالتالي أصبحت بريطانيا خارج منطقة اليورو.
والمضاربة على حركة العملات تمرست فيها صناديق التحوط العالمية التي تملك مئات المليارات وتضارب في الواقع على حركة مؤشر العملة، انخفاضاً أو ارتفاعاً. ولكنها على صعيد العملات المرتبطة بهامش ذبذبة ثابت مثل ما هو الحال بالنسبة لليوان مقابل الدولار، فغالباً ما تضارب عكس اتجاه البنك المركزي لتحدث فجوة سعرية تستغلها تدريجياً لتحقيق أرباح وتتسع هذه الفجوة السعرية تدريجياً لتجبر البنك المركزي على إلغاء ارتباط العملة بالسعر الثابت كما حدث مع الاسترليني.
وخفض البنك المركزي الصيني، سعر صرف اليوان 0.05% الشهر الماضي، وحدد سعره بـ6.3975 للدولار الواحد، وهذا هو التخفيض الثالث لليوان مقابل الدولار.
وقالت السلطات النقدية الصينية أمس إن العملة الصينية ستواصل استقرارها مدعومة بالاقتصاد وتدخل البنك المركزي ولا يوجد مبرر للاندهاش من تقلب اليوان.
وحسب وكالة شينخوا شبه الرسمية، أشارت السلطات المالية إلى أن إصلاحات العملة الموجهة للسوق، تصب في نظام مدار لتعويم العملة، بمعنى أن الصين ستتدخل في سوق الصرف للحد من التقلبات الكبيرة لتقليل أثرها على الاقتصاد الصيني.
لكن مشكلة الصين تكمن في طبقة الأثرياء والشركات الكبرى التي كانت تصنع سوق المال الصيني، وتشعر حالياً، أن خفض سعر صرف اليوان يقود تلقائياً إلى تآكل قيمة الثروات، وبالتالي يسعى أثرياء الصين إلى تحويل أموالهم من عملة الصين إلى الحسابات الدولارية. وقد هرب من الصين قرابة ترليون دولار خلال العام الماضي. وبالتالي هنالك عمليات بيع مكثفة للدولار في الصين.

خسائر المركزي الصيني تجاوزت 185 مليار دولار خلال يناير

كما أن المواطنين يحولون جزءاً من إيداعاتهم باليوان إلى دولارات يضعونها في بيوتهم كلما سنحت لهم الفرصة. وكلما ارتفع الطلب على الدولار في الصين كلما ارتفع الضغط على السعر المرجعي لليوان. وهو ما يعني مزيداً من الخسارة للمركزي الصيني.
وحسب محللين “أصبحت في الصين حالة من عدم الثقة بين الأثرياء والحكومة الصينية التي تستخدم أدوات القمع والتجريم ضدهم بهدف منعهم من التصرف في ثرواتهم”.
ويرى مليارديرات في الصين أن الحملة الأخيرة ضد الفساد التي يقودها الرئيس الصيني، ما هي إلا وسيلة للسيطرة على ثروتهم. وهنالك تزايد وسط شركات الوساطة والأثرياء الذين يصنعون السوق في قدرة “المركزي الصيني” على الحفاظ على ثبات اليوان في المستقبل.
كما يرى خبراء في سوق صرف في لندن، أن بنوك الاستثمار وصناديق التحوط الغربية تواصل المضاربة بقوة على انهيار اليوان خلال العام الجاري. وهنالك توقعات أطلقها مصرف” بنك أو أميركا ـ ميريل لينش” الأميركي، تقول إن الصين ستضطر إلى إنهاء ربط اليوان الحالي بالدولار. خاصة وأن بنك الشعب الصيني يواصل الخسائر من تدخله في سوق الصرف الأجنبي لحماية عملة الصين.
وحسب بيانات نشرها مصرف “غولدمان ساكس” الأميركي، فإن خسائر المركزي الصيني بلغت حوالى 185 مليار دولار خلال يناير الماضي وسط ظروف انعدام الثقة هذه تزيد السلطات المالية من تضييقها على البنوك والشركات.
ومن بين الإجراءات التي اتخذها بنك الشعب الصيني والسلطات المالية لتثبيت سعر اليوان ضمن نطاق هامش الذبذبة مقابل الدولار:
أولاً: تشديد الرقابة على التحويلات المالية خارج الصين، حيث طلبت السلطات المالية الصينية خلال الأسبوع الماضي من البنوك التجارية فحص التحويلات المالية للأشخاص والشركات واطلاعها على أسماء وحجم التحويلات، كما طلبت منها تشديد الرقابة والتأكد على أنها تتوافق مع القوانين الجديدة. وتسمح القوانين الصينية للأفراد بتحويل 50 ألف دولار سنوياً، ولكن أثرياء الصين يحتالون على هذه الكميات بتحويل مبالغ أضعافها عبر استغلال الفقراء.
ثانياً: قرر المركزي الصيني، سحب اليوان من “مصارف أوفشور”، لزيادة كلفة المضاربة على الصناديق والبنوك الاستثمارية التي تتاجر في اليوان. كما طلب البنك من البنوك التجارية الصينية في هونغ كونغ تعليق منح قروض بالعملة الصينية. كما شدد كذلك على البنوك الأجنبية العاملة في السوق الصيني وطلب منها زيادة رصيدها معه باليوان.
ثالثاً: تعليق قانون السماح للمصارف الأجنبية المتاجرة في سوق الصرف الأجنبي بالصين. ومن بين تلك البنوك كل من “دويتشه بنك” و”ستاندرد تشارتر”.
رابعاً: أجلت السلطات الصينية عمليات ربط كان مخططاً لها بين سوق شنغهاي وسوق هونغ كونغ.
اقرأ أيضا: الصين تستبعد انحسار مشاكلها الاقتصادية قريبا