ورفعت الحكومة أسعار غاز الطهو بنحو 300% فزاد سعر أسطوانة الغاز سعة 12.5 كيلو من 25 جنيها سودانيا إلى 75 جنيها في العاصمة، فضلا عن تحرير أسعار وقود الفيرنس (المازوت) ووقود الطائرات، وفتح الباب أمام استيراد تلك السلع للقطاع الخاص.
وتأتي تلك القرارات بعد نحو شهر من تصديق البرلمان على الموازنة العامة للدولة، والتي خلت تماما من تلك القرارات وإن كانت القوانين المصاحبة لها تشير إلى خطة حكومية تتضمن إجراءات اقتصادية تقشفية.
وتتضمن التعديلات على قانون القيمة المضافة نصا أجاز للأمين العام لديوان الضرائب وضع ضوابط إجرائية بتحديد مبلغ الضريبة على القيمة المضافة من ثمن السلع والخدمات والأعمال بما يتماشى مع طبيعة نشاط بعض المنتجين والمستوردين ومقدمي الخدمات والأعمال.
الأمر الذي رأى فيه مراقبون أنه فتح الباب أمام الديوان لتعديل فئة الضريبة المحددة بـ 17% لبعض الأنشطة دون الرجوع للبرلمان، وهي ضريبة ذات تأثير مباشر في حياة المواطن.
كما أعطى قانون رسم تركيز الأسعار، الحكومة الحق في زيادة أسعار السلع الإستراتيجية متى شاءت دون الرجوع للبرلمان، حيث أجاز لمجلس الوزراء فرض رسم تركيز على أسعار السلع المستوردة أو المنتجة محليا من البنزين والغازولين والغاز المنتج محليا والمستورد، باستثناء الوارد من دول الكوميسا، كما أجاز للحكومة تعديل رسوم تلك السلع وفقا لجداول محددة من وقت لآخر بإضافة أو حذف أي سلعة من السلع.
ورصدت موازنة العام الحالي مبلغ 9.2 مليارات جنية لدعم السلع الاستراتيجية بانخفاض 10% عن اعتمادات العام الماضي.
ويرى اقتصاديون أن تلك الخطوات من شأنها أن تؤثر مباشرة في حياة المواطنين بارتفاع الأسعار خاصة الخبز والكهرباء فضلا عن الإسمنت الذي يتأثر به قطاع البناء بالنظر لتحرير أسعار المازوت الذي يستخدم في قطاعي الطاقة والصناعة عموما.

قلصت الحكومة دعم السلع الاستراتيجية بنحو 10% في موازنة 2016

ويتخوف مراقبون من انفلات الأسعار في ظل ضعف الأجهزة الرقابية بالسودان. وبالفعل عمدت مخابز لرفع سعر الخبز، فوصل سعر الرغيف إلى نصف جنيه بدلا من ربع جنيه الشهر الماضي، رغم تحذيرات الحكومة وتأكيداتها بعدم زيادة أسعار الغاز للمخابز.
وتقول سميرة – موظفة – إنها فوجئت في اليوم الثاني لإعلان أسعار جديدة للغاز في الخرطوم بأن بيعت لها الأسطوانة بمبلغ 85 جنيها رغم أن السعر المعلن 75، مشيرة إلى أنها عندما جادلت صاحب المحل تعلل بتكاليف الإيجار والنقل.
ويشتكي وكلاء الغاز من ارتفاع أسعاره، ما يؤثر على قيمة أرباحهم. ويقول محمد صاحب محل غاز: “كثيرون قد يهجرون تلك المهنة لأنها لا تغطي نفقاتهم، فضلا عن أنه برغم الزيادات الكبيرة فالمادة غير متوفرة”.
أما أصحاب المطاعم فيشتكون أيضا من ارتفاع كلفة إنتاج الطعام بفعل زيادة أسعار الغاز، ما يهدد عملهم، خاصة وأن أية زيادات في الأسعار من شأنها تقليل الرواد بالنظر إلى التكلفة العالية للمعيشة.
ويقول عبدالله – صاحب مطعم: “أستهلك يوميا الغاز في حدود 700 جنيه، ما يعني أن القيمة ستتضاعف مع الأسعار الجديدة وهي تكاليف إضافية، من أين سأغطيها؟ فلا خيار سوى زيادة أسعار الخدمات المقدمة وهي بالطبع مخاطر قد تفقدني نصف رواد المطعم”.
وتدافع وزارة المالية عن قراراتها بشدة، حيث اعتبر وزير المالية بدرالدين محمود، أن خروج الحكومة من دعم الغاز وتحرير أسعاره بجانب المازوت ووقود الطائرات جاء في الوقت المناسب لانخفاض أسعار النفطعالميا، معتبرا في القرارات تصحيحا لمسار الاقتصاد وإزالة للتشوهات وضمانا لتوفير السلع وتوزيعها عبر القطاع الخاص. وأشار الوزير في تصريح صحافي إلى التزام الحكومة بتركيز الأسعار ومراقبتها باستمرار، مؤكدا إعفاء القطاع الخاص من الجمارك التي قال إن إيراداتها من سلعة الغاز وصلت 1.2 مليار جنيه.
لكن في المقابل يؤكد القطاع الخاص أنه لم يطلب من الحكومة اتخاذ قرارات تضيق على المواطن وأن مطالبته اقتصرت في السماح للشركات العاملة بمجال الغاز بالاستيراد وبذات السعر الحكومي.
ويؤكد رئيس اتحاد أصحاب العمل بالإنابة وصاحب إحدى أكبر شركات الغاز علي أبرسي، أن الحكومة لم تقم بدورها في تغطية فجوة الغاز، مشككا في الأرقام التي قدرت بها الفجوة بنحو 48 ألف طن شهريا.


مخاوف من انفلات الأسعار في ظل ضعف الأجهزة الرقابية

وقال لـ “” إن الفجوة الحقيقية تقترب من 70 ألف طن شهريا، مشيرا إلى أن هناك 11 شركة عاملة في الغاز انخفضت معدلات مبيعاتها إلى النصف بسبب البطء الحكومي في التعامل مع الأرقام الحقيقية للاستهلاك المحلي.
وتابع: “لم نطلب زيادة أو تحرير أسعار الغاز وإنما مساواتنا بالقطاع الحكومي في توفير الغاز بالسعر الموحد باعتباره مخرجا للأزمة”.
وانتقد خبراء مبررات الحكومة لتدعيم قراراتها بتحرير الأسعار للغاز وبعض المواد البترولية واصفين المبررات بغير المنطقية، لاسيما أن أسطوانة الغاز سعة 12.5 كيلو تستحوذ وحدها على نحو 17.5% من الحد الأدنى للأجور والمقدر بحدود 425 جنيها، مرجحين تضاعف أسعار الغاز مستقبلا لسماح الدولة للقطاع الخاص بالاستيراد دون أن توفر العملات الأجنبية بالسعر الرسمي (6.1 جنيهات للدولار) ما سيقودهم إلى اللجوء للسوق السوداء والتي يصل فيها سعر الدولار إلى 11.75 جنيها.
وتقول مصادر مسؤولة، إن الحكومة ترتب لإعلان تحرير أسعار مزيد من المواد البترولية وفتح الباب أمام القطاع الخاص لاستيرادها وهي سياسية يتوقع معها مراقبون زيادة أسعار المحروقات.
والقرار المرتقب سيمنح القطاع الخاص الحق في استيراد المواد البترولية بأنواعها المختلفة دون قيود بجانب منحهم جملة إعفاءات تتصل بالضرائب والرسوم الجمركية، فضلا عن إلزامها بالمواصفات التي تقرها وزارة النفط للمواد المستوردة مع وضع أسعار عادلة للمستهلك دون شطط.
ويرى المحلل الاقتصادي أحمد كمال، أن أية زيادة في الأسعار ترفع معدل التضخم العام، وهو ظاهرة سلبية في أي اقتصاد تؤثر على المعيشة وتخنق القدرات الشرائية للمواطنين.
وكلما كان التضخم مرتفعا، فقدت المنتجات قوتها التنافسية في السوق الخارجية، فضلا عن ارتفاع تكلفة المواد المستوردة على المواطن، ما يحمل انعكاسات سلبية على الميزان التجاري وميزان المدفوعات للدولة، وفق كمال.
واعتبر كمال أن تحرير أسعار المازوت وغاز الطائرات يضيع على الدولة أحد موارد العملات الصعبة التي تحصلها من تزود الطائرات الأجنبية بالوقود من مطار الخرطوم.