أحد المؤشرات الأساسية لقياس النمو في المجتمعات وتقدمها هو الإتقان والدقة. ونستخدم في حياتنا اليومية تعابير ومفردات دارجة عديدة تكشف درجة إهمالنا المعايير الرقمية والقياسية.

نجيب على سؤال متى علي الحضور إلى مكتبكم بكلمة “ظُهرية”، أو “عصرية” من الظهر والعصر، أو قبل المغرب، أو بعد العشاء. أما بالمفاهيم المكانية، فنقول “على بعد مقرط العصا”، أو خلف التلة، أو بالقرب من ملحمة فلسطين، وغيرها.
وفي ظل عالم عربي تتدنى فيه الشفافية، وخصوصاً ما تنقله الأنباء والأخبار الطارئة على ألسنة السياسيين ومتخذي القرارات، يفتح الباب على مصراعيه للإشاعات، والأخبار الساخنة، والأرقام الكبيرة المبالغ فيها.
“قام رئيس الحكومة الفلانية بزيارة إلى دولة شقيقة، حيث استقبله الرئيس في البلد المضيف، وجرى بحث العلاقات الثنائية والتطورات في المنطقة”. هذا خبر نمطي، نسمع مثله كل يوم الكثير. فماذا أضاف خبر كهذا إلى معرفة المشاهد أو المستمع أو القارئ؟
والجواب أن الشيء الوحيد الذي اطلع عليه القارئ هو الحدث الذي جرى، وهو الزيارة. أما الإجابة على الأسئلة الأساسية، مثل لماذا وماذا، فلا تعرف عنهما إلا النزر اليسير، هذا إن توفر أي شيء عنهما.
في هذه الظروف، تستولي قوانين الطبيعة على الساحة، وأولها أن الطبيعة لا تحب الفراغ، خصوصاً ذلك الناشئ عن الفضول، حينما يريد الإنسان الاستزادة من المعرفة، فيواجه بفراغ. عندئذٍ، يملأ هذا الإنسان الفراغ من المحطات المناوئة لبلده، أو من مصادر أجنبية، أو من مروجي الإشاعات والمواقع الإلكترونية التي يتغذّى بعضها، ويزدهر، على هذا الواقع.
ليست القضية محصورة على الأخبار السياسية التي ما تزال تخضع لقانون السرية العجيب، حيث يحتاط المحرّرون، فيبالغون في الرقابة الذاتية.
ويحضرني، في هذا المجال، القصة الشهيرة التي تروى عن عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين. ففي محاضرة له عن حرية التعبير والإفصاح، اشتكى طه حسين من شدة الرقابة، فتصدى له أحد الرقباء الحاضرين سائلاً “هل يمكن لأستاذنا الكبير أن يعطينا ولو حالة واحدة اجتزأ مقص الرقيب أي شيء كتبته، أو عدل عليه، أو أجرى تقديماً أو تأخيراً؟”. فرد “وهل كنت معي، يا ابني، وأنا أكتب، حيث كان الرقيب الذي تولد في داخلي يملي علي ما أكتب، ويفرض علي القصّ والإضافة، والتعديل والتبديل، حتى لا يطال مقصك ما أكتب؟”.
اختفى ذلك الرقيب في بدايات الربيع العربي. وتحرك البندول من حالة الصمت وتوخّي الحذر، إلى الجهة المقابلة، حيث المبالغات في الأرقام. وأول هذه المظاهر كانت الحديث عن الفساد، وأرقامه.
وصار الناس يخلطون بين المليون والبليون، كأنهما متعادلان أو متجانسان. وصرنا نسمع، في الأردن مثلاً، أن مدير شركة سرق خمسة بلايين دولار، علماً أن تلك الشركة وما فيها لا يساوي بليون دولار.
أما إذا صحّحت لأحد أرقامه، فسيقول لك “لَه يا فلان …. هل تدافع عن الفساد؟” ثم يقسم قائلاً “والله لو لم أكن أعرفك لا تهمتك بالفساد”. فتشكر الله على حصافة المتحدث، وتحمده على أنه منحك نعمة الدقة.
علمنا أساتذة الرياضيات أن منتهى الدقة تعني التعبير عن المسافات والأوقات والمقادير بالرقم الصحيح. إن فكرة الكسور العشرية أو الكسور العادية (بسطاً ومقاماً) هي انعكاس لعدم الدقة.

مفهوم الحرية والريادة والإبداع والتألق العلمي الذي لم يعد عملاً فردياً، بل عمل فرق متكاملة متناسقة

عندما تقول إن المسافة بين النقطتين (س) و(ص) هي (3.5) كيلو متراً، فالأدق أن يقال إنها ثلاثة آلاف وخمسمائة متر… وإذا استخدمت مقياس الأمتار، فقد تكتشف أنها 47.3500 متراً. والأدق أن تقول إنها 047.350 سنتيمتراً.
وهلم جراً، حيث أن استخدام المعايير الأدق يؤدي إلى الوصول إلى أرقام بوحدات أصغر وأدق. ويمكن لهذه العملية، صغراً أو كبراً، أن تمتد إلى ما لا نهاية.
وفي كتاب لفيلسوف هندي، اسمه روهيت سينغ، يقول فيه إن الرقم ليس مطلقاً، بل هو نسبي، بمعنى أنه لا فائدة من القول سبعة، أو ثمانية، أو تسعة عشر، أو أي رقم آخر، إلا إذا أشار إلى متغير أو ثابت. فنقول سبع سماوات، وثمانية يحملون عرش ربك، وعليها تسعة عشر لواحة للبشر.
ويضرب سينغ مثالاً عن ملحمة هوميروس الشهيرة بالأوديسة. فبعد أن ينجح يوليسيز “في إطفاء النور في عيني الوحش آكل البشر سايكلوبس”، يتحول الوحش من آكل بشر إلى آكل للحم الخراف. ولكن هذا الوحش لا يعرف معنى الرقم، ولا الفرق بين رقم وآخر، ولا جمعهما، ولا قسمتهما ولا ضربهما.
ولديه قطيعٌ من الخراف، لا يُعرف عدده. ولكنه يريد أن يتأكد أن الراعي الذي يأخذ أغنامه في الصباح إلى المرعى، ويعود بها مساءً، لا يسرق منها شيئاً. فماذا يفعل، وهو يعاني من جهل مطبق في الأرقام والحساب؟”.
وبالفعل، هذا السؤال محيّر للوهلة الأولى. والجواب عليه أن “السايكلوبس” يأتي بأحجار صغيرة ودلو. وكلما خرج خروف أو شاةٌ من الباب وضع حجراً داخل الدلو، حتى تخرج تلك الأغنام. وهو، بالطبع، لا يعرف عددها، لكنه يعرف أن كل حجر منها يمثل خروفاً واحداً.
وفي المساء، عندما تعود الأغنام، فإنه يدخلها من الباب واحدةً واحدةً. وكلما دخلت واحدةٌ أخرج حجراً من الدلو. فإذا انتهت الأغنام من الدخول، تأكد أن الدلو قد أصبح فارغاً من الحجارة. وهكذا، يعرف أن ما خرج من الأغنام في الصباح يساوي عدد ما عاد منها في المساء.
الفضاء الخارجي الذي نراه ولا نراه هو عالم لا نهائي في الكبر. وعندما سلّطنا التلسكوب نحو السماء، اكتشفنا أن هذه الأرض ليست إلا حبة رمل على شاطئ الكون الفسيح. وتعلمنا من أحمد زويل أن هنالك عوالم في منتهى الصغر، بحيث تكون الثانية فيها دهراً، والإنش (أو البوصة) هي مسافة لا نهائية، حيث يمكن تقسيمها إلى عشرة بليون جزء.
هل نستطيع أن نتعامل مع التكنولوجيا المتقدمة بدون دقة؟ وهل نستطيع أن نحارب السرطان في خلايا الجسم ومعرفة التفاعلات العضوية والكيماوية داخل الدسم بدون دقة متناهية؟ وحتى نصل إلى تلك الدقة لا بد أن نطور أجهزة دقيقة، ونحصل على نتائج دقيقة، ونتعامل معها تحليلاً واستنتاجاً ومعالجة بمنتهى الدقة.
لذلك، مفهوم الحرية والريادة والإبداع والتألق العلمي الذي لم يعد عملاً فردياً، بل عمل فرق متكاملة متناسقة، ينسجم مع إطلاق القدرات، والسماح لها بالتحليق في سماء الإبداع.
لو عدنا إلى الوراء نصف قرن، وتأملنا ما أصبح اليوم جزءاً أساسياً من حياتنا، لصعقنا من المفاجأة. فالثورة الإلكترونية، وثورة المعاملات، والطاقة الشمسية، والمحطات الفضائية، وثورة الطب والعلاج، كانت تبدو يوماً حلماً يكاد يصل إلى الأسطورة. وكم من أمرٍ يبدو اليوم أسطورة من صنع خيال مجنون، تحولت، في سنوات قليلة، إلى حقيقة واقعية، وجزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية.