يقول كبير الاقتصاديين في مصرف “أيه بي إن أمرو” الهولندي هان دي جونغ “لم أكن أظن أني يوماً سأصلي من أجل أن يرتفع سعر النفط، ولكني اليوم أتضرع بالدعاء من أجل ارتفاع الأسعار… فالعالم بحاجة ماسة لتحسن أسعار النفط”.

هذا القول لم يصدر عن اقتصادي بالدول المنتجة للنفط وإنما صدر عن اقتصادي في دولة غير نفطية”.
وحال الاقتصادي جونغ لا يختلف عن حال المستثمرين في أنحاء العالم، الذين باتوا يصلون من أجل حدوث اتفاق بين السعودية وروسيا لخفض الإنتاج والسماح للأسعار بالارتفاع. فالأسواق تتحرك هبوطاً وارتفاعاً تبعاً لحركة النفط.
لقد كان الافتراض القائم من قبل أن انخفاض النفط سينعش الاقتصاد العالمي، لأنه سيعني فواتير أقل، يدفعها مليارات الناس للوقود والكهرباء والتدفئة. وهذا سيعني وفورات للمستهلكين، تدفعهم للإنفاق وإنعاش الأسواق. ولكن ما حدث بعد 18 شهراً من بدء دورة انهيار النفط من أكثر من مائة دولار إلى حوالى 33 دولاراً، يثبت عكس ذلك. لأن انهيار أسعار النفط أصبح يهدد الاقتصاد العالمي على عدة صعد، لدرجة أن أي تصريح سعودي لخفض الإنتاج، أصبح يساوي في القيمة الدفترية لأسواق المال أكثر من ترليون دولار. ومن لا يصدق ذلك، عليه أن يراجع أداء أسواق المال في يومي الخميس والجمعة الماضيين، حينما سرت أنباء اتفاق سعودي روسي لخفض منسق لإنتاج النفط، وكيف انتعشت الأسواق لتستعيد أكثر من ترليون دولار من خسائرها منذ بداية العام والتي فاقت 2.6 ترليون دولار.
ولكن لماذا يحدث ذلك؟ السبب بسيط جداً، وهو أن عقود النفط المستقبلية ومشتقاتها والمضاربة على حركة الأسعار، تشكل جزءاً كبيراً من الحجم التجاري في أسواق المال، كما أن ثقل شركات الطاقة في مؤشرات البورصات يشكل حوالى 30% في أميركا ويقارب ذلك في أوروبا واليابان. كما أن حجم الاستثمار في صناعة النفط والغاز يقدر بحوالى 980 مليار دولار سنوياً وصفقات الدمج والحيازة في قطاع الطاقة تعد أحد أهم محركات أسواق المال. يضاف إلى هذه العوامل حركة الشحن والسفن والقروض المصرفية ومحافظ سندات الدين التي تؤثر على أعمال المصارف.

حجم الاستثمار في صناعة النفط والغاز يقدر بحوالى 980 مليار دولار سنوياً

لهذه الاسباب، يلاحظ أن أسعار النفط واصلت أمس تداعياتها السالبة على أسواق المال العالمية، حيث هبطت المؤشرات في جميع أسواق المال الآسيوية في ختام تعاملات مع انخفاض النفط. لقد أصبح تدريجياً سعر النفط أحد المرتكزات الرئيسية ومؤشراً رئيسياً لحركة أسواق المال ليس في أسواق دول التعاون فحسب ولكن في أنحاء العالم.
وبات النفط يعكس إلى درجة كبيرة الحالة النفسية للمستثمرين، فإذا أرتفع الذهب الأسود، أرتفعت النفسيات وأقبل المتعاملون على الشراء، وإذا انخفض سعر النفط، هبطت نفسيات المتعاملين وباعوا موجوداتهم وهربوا من السوق.
وكانت بوادر اتفاق بين السعودية وروسيا حول التعاون لخفض الإنتاج قد رفعت أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي إلى فوق 35 دولاراً للبرميل وأرتفعت معه مؤشرات المال في جميع الأسواق العالمية. ولكن يبدو أن التصريحات المتناقضة التي صدرت ولاتزال تصدر عن روسيا، قد تسببت في خفض الأسعار مجدداً، لتعود مؤشرات الأسهم العالمية للون الأحمر. ولاتزال الأسواق تأمل في حدوث ” خفض منسق” للإنتاج النفطي بين أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك” والمنتجين خارجها، رغم أن بنوك استثمار عالمية أستبعدت حدوث ذلك.
ويذكر أن مصرف “غولدمان ساكس”، قال الاسبوع الماضي في مذكرة للعملاء أنه يستبعد اتفاق السعودية وروسيا على خفض الإنتاج. وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إنه إذا تم التوافق بين أعضاء منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والمنتجين من خارجها على عقد اجتماع “فسنجتمع حينئذ”.من جانبه قال الكرملين أمس إنه لم يتم حتى الآن تحديد موعد للمشاورات المحتملة بين روسيا ومنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).
وهبطت أسعار النفط أمس لثالث جلسة في التعاملات الآسيوية أمس بعد أن أظهر تقرير من معهد البترول الاميركي أن مخزونات الخام في الولايات المتحدة سجلت قفزة الأسبوع الماضي لتصل إلى أكثر من نصف مليار برميل بينما تخطط إيران لزيادة صادراتها بدءاً من مارس /آذار.
كما ساهمت توقعات لأحوال جوية أكثر اعتدالاً للأسابيع الثمانية الأخيرة من الشتاء في أميركا في تقويض الآمال بشان الطلب. وتراجعت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت لأقرب استحقاق 11 سنتاً إلى 32.61 دولاراً للبرميل على خسائر بلغت 1.52 دولار أو 4.4%. وهبطت عقود خام القياس الأميركي غرب تكساس الوسيط 10 سنتات إلى 29.78 دولاراً للبرميل .