على بُعد مائتي متر من مجلس الأمة الجزائري وقبالة المسرح الوطني، تقع ساحة “بور سعيد” أو “السَكوَار” كما يحلو للجزائريين تسميتها، والتي تحولت إلى سوق موازية للعملات الصعبة في قلب العاصمة.

ما إن تصل إلى ساحة بورسعيد، حتى يقابلك عشرات الشباب واقفين على قارعة الطريق حاملين أوراقاً نقدية لمختلف العملات الأجنبية، اليورو والدولار الأميركي والجنيه الاسترليني وحتى اليوان الصيني يُباع ويشترى في ذلك الفضاء، الذي بات يعتبره الجزائريون، الممول الحقيقي للمسافرين إلى الخارج باليورو والدولار، بما أن البنوك لا تصرف سوى حوالي 145 يورو أو ما يعادلها من العملات الصعبة لكل جزائري مرة واحدة في السنة.
وإن يصعب تقدير حجم ما يتم تداوله من عملات في ساحة “السَكوَار” بالتحديد، إلا أن أرقام الخبراء تتحدث عن ثلاثة إلى أربعة مليارات يورو يتم تداولها سنوياً من طرف تجار العملة الصعبة أو “بزناسية الدوفيز” كما يطلق عليهم باللهجة الجزائرية.
وإلى ذلك يقول أستاذ الاقتصاد النقدي بجامعة تيارت، عبدالرحمان عية لـ “”: “نصف مليون جزائري حصل على تأشيرة شانغن سنة 2015 لو كل واحد فيهم يذهب مرة واحدة إلى أوروبا فإنه يحتاج إلى 2000 يورو لقضاء 15 يوماً، بعملية حسابية بسيطة نجد مليار يورو فقط يقتنيها المسافرون يضاف إليها حجاج بيت الله الحرام، أما الجزء الباقي وهو الأكبر فهو للمستوردين الذين يشترون سنوياً حوالي ملياري يورو في هذه السوق الموازية”.
وتعرف بورصة بيع العملات الأجنبية في ساحة “بور سعيد”، ارتفاعاً غير مسبوق هذه الأيام، حيث بلغ سعر صرف الدولار الواحد، بداية هذا الأسبوع، نحو 166 ديناراً جزائرياً، أما الـعملة الأوروبية الموحدة فقد تعدت عتبة 180 ديناراً جزائرياً لليورو الواحد، في حين يبلغ سعر صرف نفس اليورو في السوق الرسمية نحو 114 ديناراً جزائرياً.

الجزائر لا تزال مصرة على إبقاء الدينار الجزائري عملة غير قابلة للتحويل ما يجعلها غير قابلة للتداول خارج حدود البلاد

وعلى الرغم من المداهمات المتكررة التي تقوم بها الشرطة الجزائرية للساحة إلا أن باعة العملات الأجنبية لا يزالون أوفياء لنشاطهم غير القانوني وفي وضح النهار وأحياناً أمام أعين الشرطة. ذلك واقع جعل الروايات والتعليقات تذهب إلى حد القول، إن أطرافاً نافذة في الجزائر تقف وراء هؤلاء الشباب، وهو ما يعتقده النائب في البرلمان الجزائري، سليمان سعداوي، في تصريح لـ” ” حين قال: “عجز الخبراء والوزراء المتعاقبون على وزارة المالية عن حل هذه المعضلة لأن ساحة السَّكوَار هي دولة موازية، من يسيرها هم أناس أغنياء يفضلون الاستثمار في سوق العملة الموازية عوض بناء المصانع”.
إلا أن هذه التأويلات والاتهامات رفضها تجار عملة تحدثت إليهم “” في ساحة “بور سعيد”، حيث علّق أمين، وهو شاب يبيع الجنيه الإسترليني، على هذه الاتهامات بالقول: “لا أحد يقف وراءنا.. مورانا ربي سبحانو”، وهي مقولة يرددها الجزائريون عادة للتعبير عن توكلهم على أنفسهم في أعمالهم وتجارتهم.
فيما يضيف محمد، وهو شاب آخر يقف على قارعة الطريق حاملاً مبلغاً من اليورو: “جمعت هذا المال بعرق جبيني، لم يعطني إياه لا وزير ولا جنرال ولا رجل أعمال”.
وعلى الرغم من إقرار بنك الجزائر سنة 1995 قانون القرض والنقد الذي يسمح بفتح مكاتب وشبابيك خاصة لصرف العملات الأجنبية إلا أن هذه الأخيرة لم تر النور إلى يومنا هذا، وهو ما يترجم حسب النائب البرلماني، طاهر مسيوم، في اتصال هاتفي مع “” بغياب الإرادة السياسية الفعلية للقضاء على هذه السوق الموازية بحكم أن ثلاثة ترليونات دينار موجودة خارج مجال تغطية البنوك تعادل أكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي، متابعاً: “هناك أمر غير طبيعي ولا يوجد هناك عمل”.
معلوم أن الجزائر لا تزال مصرة على إبقاء الدينار الجزائري عملة غير قابلة للتحويل ما يجعلها غير قابلة للتداول خارج حدود البلاد، فحين أطلقت الحكومة الجزائرية، منتصف السنة الماضية، مصالحة ضريبة تهدف إلى إدخال رؤوس الأموال التي تنشط في السوق الموازية والتي تقدر بحوالي 40 مليار دولار.
ويعزو مراقبون تراجع قيمة الدينار الجزائري، خلال الأيام الأخيرة، أمام الدولار واليورو، إلى تراجع إيرادات البلاد من النفط بسبب تهاوي أسعار الذهب الأسود في الأسواق العالمية.
ويتوقع الخبراء أن تلجأ الحكومة الجزائرية إلى احتياطي البلاد من النقد الأجنبي لمواجهة تراجع عائدات النفط وتمويل المشاريع التنموية، خاصة مشاريع السكن والاستثمارات الكبرى.