خلال اليومين الماضيين صدرت رسالة مهمة وذات مغزى من السعودية ومنظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك) مفادها استعداد المملكة للتعاون في مجال وقف التهاوي الجاري في أسعار النفط بالأسواق العالمية، فقد نقلت صحيفة الحياة السعودية، أمس، عن مصدر في أوبك قوله: إن الرياض مستعدة للتعاون في إدارة سوق النفط، شريطة أن يتعاون جميع المنتجين من داخل المنظمة وخارجها.

وأمس الأول الأحد نقلت قناة العربية الفضائية عن مصدر سعودي لم تسمه قوله: إن السعودية تريد التعاون مع باقي الدول المنتجة من أجل دعم سوق النفط.

بالطبع قد يتساءل البعض عن مغزى توقيت الإعلان السعودي عن هذا التعاون المحتمل، وما إذا كان ذلك يتعلق بتداعيات رفع العقوبات الغربية عن إيران، واتجاه طهران لمضاعفة إنتاجها النفطي أم لا، لكن وبشكل عام فإن رسالة المملكة في هذا التوقيت الحرج بالذات لها أهميتها القصوى لاعتبارات عدة من أبرزها:

– أن السعودية أكبر منتج للنفط في العالم بكميات تتجاوز 10 ملايين برميل يومياً، وبالتالي فإن الاضطرابات الجارية في سوق النفط تمسها هي بالدرجة الأولى، خصوصاً ونحن نتحدث عن خسائر متوقعة لدول منظمة أوبك تتجاوز قيمتها 673 مليار دولار في العام الجاري 2016، مقابل خسائر حقيقية تجاوزت 543 مليار دولار في العام الماضي 2015.

 – أن السعودية قد لا تعبر عن موقفها فقط في هذا الملف الحساس المتعلق بالاضطرابات الجارية في أسواق النفط العالمية، بل تعبر عادة عن موقف دول الخليج البالغ إنتاجها اليومي نحو 20 مليار برميل من النفط، وهو ما يعادل نحو 60% من إنتاج منظمة أوبك، وبالتالي يمكن النظر لموقف المملكة الجديد الخاص بالتعاون لدعم سوق النفط على أنه موقف خليجي موحد.

– أن السعودية ربما لا تريد أن تترك ملعب سوق النفط العالمي لإيران تتلاعب به عن طريق زيادة إنتاجها النفطي، وإغراق الأسواق بمزيد من المعروض، وبالتالي التأثير سلباً على الأسعار وتأخير عودة الاستقرار لهذا السوق.

وقبل الكشف عن رسالة السعودية الأخيرة، بيوم واحد، أعلنت العراق، على لسان وزير النفط بها عادل عبد المهدي، استعدادها لقبول قرار من “أوبك” ومن خارجها لخفض إنتاج النفط، وأنها مع الإجماع، وأنها كذلك تدعم وحدة أوبك إذا كان هناك اتفاق بين كافة أطراف منظمة أوبك وحتى خارجها إذا أراد فعلا المنتجون أن يتعاونوا ويخفضوا الحصة النفطية.

أما فنزويلا، صاحبة أكبر مخزون نفطي في العالم، فقد أبدت مرات عديدة استعدادها للتعاون على خفض الإنتاج، بل ودعت مرات إلى عقد اجتماع في شهر فبراير/شباط الجاري لمناقشة خطوات تعزيز ودعم أسعار النفط العالمية التي تراجعت إلى أدنى مستوى لها منذ 12 عاماً.

حتى روسيا، وعلى الرغم من أنها ليست عضواً بمنظمة أوبك، فقد أبدت استعدادها للتعاون وبحث اقتراحات السعودية بشأن إدارة الإنتاج، وتأتي أهمية موقف روسيا هنا في كونها واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم ولها تأثيرها القوي في اتجاهات الأسعار العالمية والمعروض النفطي في الأسواق.

ولن أتحدث هنا عن موقف دول كبرى منتجة للنفط، مثل ليبيا والجزائر والمكسيك والبرازيل ونيجيريا وأنغولا وغيرها التي أبدت استعدادها للتعاون في هذا الملف.

حتى أوبك نفسها فقد تحركت لوقف التهاوي في أسعار النفط واقترحت خفض الإنتاج بنسبة 5% للمساعدة في تقليص تخمة إمدادات النفط، وبالتالي تعزيز الأسعار التي تهاوت بشدة، وإذا حدث ذلك فسيكون أول اتفاق عالمي من قبل المنظمة يحدث خلال أكثر من عقد.

إذا كان الكل مستعداً للتعاون لوقف تهاوي أسعار النفط، وإذا كان الكل راغباً في إنقاذ رقبته من الإفلاس بعد أن فقدت الأسعار نحو 75% من قيمتها، خصوصاً وأن إيرادات دول عدة تعتمد بالكامل على النفط، إذن أين تكمن المشكلة، ولماذا لا يتم اتخاذ خطوات جدية لحسم هذا الملف العالق، منذ منتصف العام 2014.

هل المشكلة تكمن في إيران التي تسعى إلى زيادة إنتاجها النفطي إلى 4 ملايين برميل يومياً حتى ولو أدى ذلك لإغراق الأسواق وبالتالي إفلاس دول، أم تكمن في المواقف الحقيقية لبعض الدول المنتجة الكبرى بغض النظر عن موقفها المعلن، أم أن المشكلة تتمثل في انكماش الاقتصاد العالمي وتراجع الطلب على السلع الأولية ومنها النفط، أم في استمرار أزمة الصين أكبر مستهلك للنفط؟

اقرأ أيضا: %40 ارتفاعا بأسعار السلع بعد قرار السيسي زيادة الجمارك