وقف دعم قروض الرهن العقاري ينذر بمزيد من الركود(Getty)

لقراءة المادة من الموقع الأصلي: إضغط هنا

موسكو ــ رامي القليوبي

تراجعت أسعار العقارات في العاصمة الروسية موسكو إلى أدنى مستوى لها في 10 أعوام، في ظل الانكماش الاقتصادي الذي تشهده البلاد والتراجع الحاد لقيمة العملة المحلية أمام الدولار الأميركي.

وذكرت شركة “إنكوم” الروسية للعقارات في تقرير لها، أن متوسط سعر الشقق المكونة من غرفة واحدة انخفض إلى ما دون 100 ألف دولار لأول مرة منذ عام 2005، كما ازداد العرض في ديسمبر/كانون الأول الماضي بنسبة 7% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2014.
وتشير البيانات الصادرة عن سجل الأملاك في موسكو، إلى أن عدد صفقات نقل الملكية في السوق الثانوية في عام 2015 انخفض بنسبة 30% مقارنة بالعام السابق عليه، وبنسبة 18% في سوق العقارات الجديدة.
وتعتبر نسبة التراجع في السوق الأولية أقل منها في السوق الثانوية، بفضل الدعم الحكومي لقروض الرهن العقاري للمباني الجديدة، حيث لا تزيد الفائدة عن 12% سنويا، بينما تبدأ الفوائد على قروض الرهن العقاري في السوق الثانوية من 13%.
يعني ذلك أنه في حال تقسيط قيمة العقار على عشر سنوات سيتعين على المشتري رد قيمة القرض بالإضافة إلى حوالي 80% على سبيل الفوائد، وهو عبء لا تستطيع معظم العائلات الروسية تحمله في ظل ارتفاع نفقات المعيشة، كما أن القسط الشهري يفوق كثيرا قيمة إيجار شقة مماثلة.
ووسط توجه الحكومة الروسية لوقف دعم قروض الرهن العقاري للعقارات الجديدة، اعتبارا من أبريل/نيسان المقبل، تتوقع شركات العقارات مزيدا من تراجع المبيعات في السوق الأولية أيضا، وبنسبة قد تصل إلى 40%.
وبعد موجة جديدة من تراجع أسعار النفط وقيمة الروبل في بداية العام، قرر المصرف المركزي الروسي قبل أيام الإبقاء على سعر الفائدة الأساسية عند مستوى 11%، ملوحا بتشديد سياسته النقدية والائتمانية في حال تفاقم مخاطر التضخم.
ويضع ذلك في الواقع حدا للآمال في انخفاض الفائدة على قروض الرهن العقاري المرتبطة بشكل مباشر بسعر الفائدة الأساسية.
ووسط تراجع الروبل من حوالي 34 روبلا للدولار عند بدء هبوط أسعار النفط في يونيو/حزيران 2014 إلى نحو 80 دولارا في بعض الأيام من يناير/كانون الثاني الماضي، فقدت العقارات في موسكو أكثر من 50% من قيمتها بالدولار مقارنة بنهاية عام 2013، عندما سجل المتر المربع مستويات قياسية بلغت 5200 دولار، بينما يصل سعر المتر حاليا إلى 2400 دولار.
ولم تتراجع قيمة العقارات بالدولار فحسب، وإنما أيضا بالروبل، ولكن بنسبة أقل يقدرها اللاعبون في السوق بما بين 10% و15%، مما جعل عقارات موسكو غير مغرية للمستثمرين، لتقتصر المبيعات على الراغبين في تحسين ظروف سكنهم وبعض أصحاب المدخرات بالعملة الصعبة، الذين سارعوا لإتمام الصفقات قبل تعافي الروبل، بينما يراهن البعض الآخر على استمرار هبوط العملة الروسية وأسعار الشقق على حد سواء.
ومن أسباب عزوف المواطنين عن شراء العقارات رغم أنها باتت سوق المشتري، تراجع الدخل الحقيقي للفرد، ومخاوفهم من تعثرهم عن سداد أقساط القرض في حال تسريحهم من وظائفهم، وعدم ثقتهم في آفاق الاقتصاد الروسي بشكل عام، وسط مخاوف من عودة أسعار النفط إلى الانخفاض.
وفي ظل الحساسية الاجتماعية والاقتصادية التي تتميز بها مسألة السكن، شهدت موسكو قبل أيام احتجاجات نظمها المقترضون بالعملة الأجنبية، الذين لم يعد بمقدورهم سداد قيمة الأقساط بعد انهيار سعر صرف الروبل، وهم بذلك مهددون بوضع المصارف يدها على شققهم.
وحاول هؤلاء قطع شارع “تفيرسكايا” وسط موسكو، مطالبين المصرف المركزي الروسي بأن “يتذكر التزاماته”.
وطالبت سيدة في تقرير حول الاحتجاجات بثته قناة “دوجد” الليبرالية الروسية، برد شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، متسائلة ساخرة: “أين سأسكن؟ في القرم في الشارع أم في المصرف؟”.
وفي ظل تقاعس السلطات الروسية عن حل مشكلة عشرات الآلاف من المقترضين بالعملة الصعبة، ترفض المصارف التعاون معهم، مطالبة بسداد الأقساط وفقا لسعر الصرف الحالي.
وفي آخر رد فعل صدر من القيادة الروسية، قال دميتري بيسكوف، السكرتير الصحفي للرئيس الروسي، إن الاقتراض بالعملة الأجنبية “كان خيار أولئك الذين أخذوا على عاتقهم التزامات بشروط تؤدي إلى وضع صعب جدا حاليا”، وذلك في إشارة إلى أن الفائدة على القروض بالعملة الأجنبية كانت أقل منها على القروض بالروبل.
لكن من جانب آخر، فإن هذه القروض مُنحت، عندما كان سعر صرف الدولار مستقرا عند مستوى 30 روبلا تقريبا، قبل أن تبدأ العوامل الخارجية مثل العقوبات الغربية على خلفية الوضع في أوكرانيا وهبوط أسعار النفط في التأثير سلبا على الاقتصاد الروسي في عام 2014. ولذلك، يطالب المقترضون باحتساب قيمة الأقساط وفقا لأسعار الصرف السائدة وقت منح القروض.
تجدر الإشارة إلى أن أسعار العقارات في موسكو بدأت في الارتفاع في العقد الأول من القرن الـ21 مدفوعة بزيادة أسعار موارد الطاقة وتحول العاصمة الروسية إلى مركز اقتصادي عالمي، بعد أن أصبحت وكأنها “شركة نفط وغاز كبرى”.
ورغم أن الأسعار تراجعت بصورة ملحوظة أثناء الأزمة المالية العالمية في عامي 2008 و2009، إلا أنها سرعان ما عادت إلى الارتفاع. لكن الأزمة الاقتصادية الحالية بدأت، على ما يبدو، بإعادة السوق إلى وضع يعكس مؤشرات الاقتصاد الروسي بشيء من الواقعية.