فى الوقت الذى يعانى فيه الاقتصاد اللبنانى من تداعيات الأزمة السورية والفراغ الرئاسى جاء تراجع أسعار النفط ليضيف أعباء جديدة على هذا الاقتصاد المنهك بالديون والخلافات السياسية.

وأدى التراجع الهائل فى أسعار النفط إلى نتائج متضاربة على الاقتصاد اللبنانى، حيث تراجعت فاتورة استيراد الطاقة؛ ما كبح الزيادة فى عجز ميزان المدفوعات الذى كان من المتوقع أن يصل إلى نحو 3 مليارات دولار العام الماضى، إلا أنه من المتوقع أن يؤدى فى الوقت ذاته إلى انخفاض تحويلات العاملين بالخارج والتى تصل إلى أكثر من 16 مليار دولار سنويا، بالإضافة إلى مزيد من التراجع فى تدفق السياحة العربية التى تدهورت جراء الأزمة السورية.

ويرى بعض الخبراء والمراقبين أنه فى الوقت الذى سيستفيد فيه لبنان من تراجع أسعار النفط، بتقليص قيمة فاتورة الاستيراد بأكثر من مليارى دولار خلال السنة الحالية، كذلك فإن تكلفة دعم الكهرباء تتراجع بأكثر من مليار دولار، لكن هذه الآثار الإيجابية على الوضع الاقتصادى والمالى فى لبنان، لا تترجم فى انعكاسات على الوضع المعيشى والاجتماعى، على اعتبار أن تعريفة الكهرباء ستبقى من دون تغيير، ويبقى المواطن يدفع فاتورتين للكهرباء بسبب اضطرار جزء كبير من اللبنانيين للاشتراك فى المولدات الخاصة جراء الانقطاع اليومى للتيار.

وتتراوح الفاتورة الإجمالية للمشتقات النفطية للقطاعين العام والخاص فى لبنان بين 14 و15% من الناتج المحلى، أى بقيمة تتراوح بين 5ر6 مليار دولار و7 مليارات فى السنوات الماضية.

وانخفضت هذه الفاتورة العام الماضى إلى ما بين 8 و9% من هذا الناتج، ويتوقع أن يتواصل التراجع خلال العام الحالى إلى نحو 6% من الناتج المحلى، إذا ما تم الأخذ فى الاعتبار بقاء مستويات الأسعار الحالية، فى حين يتوقع أن يسجل الناتج المحلى اللبنانى معدل نمو سنويا بحدود 2%، وفق معظم التقديرات.

فى المقابل، فإن التراجع الكبير فى أسعار النفط فى الأسواق العالمية؛ سيؤثر على تحويلات اللبنانيين خاصة العاملين فى دول مجلس التعاون الخليجى التى تبلغ نحو 8.7 مليار دولار، تمثل نسبة كبيرة من تحويلات اللبنانيين العاملين فى الخارج ، كما أنه المتوقع أن تتأثر كذلك حركة الاستثمارات ورؤوس الأموال القادمة من دول الخليج سواء من الخليجيين أو اللبنانيين.

ويشير الخبراء إلى أن أخطر ما يحمل هذا التراجع فى أسعار النفط فى طياته هو تقلص عائدات وتحويلات اللبنانيين العاملين فى دول الخليج، والتى كانت ولا تزال تشكل الدعم المعيشى لآلاف العائلات اللبنانية من القوى العاملة اللبنانية فى دول الخليج ، كذلك هناك تخوف من تؤثر حركة التبرعات والمساعدات الاجتماعية التى تلعب دورا كبيرا فى مساندة العائلات السورية اللاجئة وكذلك العائلات اللبنانية الفقيرة.

كما سيكون هناك تأثير على الحركة التجارية، ولاسيما الصادرات اللبنانية للخليج التى تقدر بقيمة 800 مليون دولار (أغلبها منتجات زراعية)، ما سيترجم لاحقا مشكلات فى الإنتاجين الزراعى والصناعى، اللذين يتوجهان فى أكثرهما إلى الدول العربية ومنها دول النفط.

وفى قطاع السياحة الذى يعانى أصلا من الغياب العربى الذى أدى إلى تراجع الحجوزات فى المؤسسات الفندقية والمطاعم.

ومنذ عدة أيام حذر اتحاد النقابات السياحية فى لبنان السياسيين من أن القطاعات الاقتصادية اللبنانية أصبحت فى "حالة احتضار" جراء الوضع غير المستقر الذى تعيشه البلاد منذ بداية الحرب فى سوريا المجاورة قبل أكثر من أربع سنوات.

وقال بيار الأشقر رئيس اتحاد النقابات السياحية ونقيب أصحاب الفنادق فى لبنان "باسم السياحة وأصحاب الفنادق والمطاعم والمقاهى والملاهى ووكلاء السفر وشركات تأجير سيارات وأصحاب الشقق المفروشة والمؤسسات والمجمعات البحرية والإدلاء السياحيين وباسم أكثر من 100 ألف لبنانى نقول: كفى إمعانا فى تخريب البلد وكفى إمعانا فى ضرب بنية البلاد الاقتصادية وتشويه صورته الجميلة فهناك قطاعات تترنح وآيلة للسقوط وأولها القطاع السياحى بكل مكوناته."

وأضاف الأشقر أن "السياحة فى خطر والواقع أليم والخسائر تتراكم وتتنوع وهى طالت كل المقومات التى يرتكز عليها القطاع. لقد خسرنا المجموعات السياحية العربية والغربية وخسرنا العمود الفقرى للسياحة (أهل الخليج) وخسرنا السياحة البرية والمجموعات الأردنية والإيرانية.

كما خسرنا القسم الأكبر من المغترب اللبنانى حتى الحفلات والأعراس الضخمة هجرت لبنان وأصبحت تقام فى الخارج".

ويرى الخبراء أنه مع انخفاض عجز موازنة لبنان فإن استمرار تراجع أسعار النفط سوف ينعكس إيجابا على المالية العامة، إلا أنه تبقى المخاوف من انعكاس تراجع الإيرادات فى الدول الخليجية على مستوى وحجم تحويلات اللبنانيين العاملين فى الخارج، ويعنى ذلك تحسنا فى مالية الدولة وتراجع مستوى الوفر المالى فى القطاع الخاص اللبناني.

وفى هذا الإطار، ذكر تقرير صادر عن البنك الدولى، أن انخفاض أسعار النفط ومشتقاته سينعكس بالإيجاب على لبنان ويخفض فاتورة العديد من التكاليف فيه خصوصا فاتورة تكلفة الكهرباء، كما سيعود بالنفع على المستهلكين ويعزز النمو.