غزة/علا عطاالله/الأناضول

عشر سنوات مرت على "الحصار" الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة، برا وبحرا وجوا، مطلع عام 2006.وخلال هذه الأعوام العشرة، عانى سكان القطاع (أكثر من 1.9 مليون فلسطيني) من أوضاع اقتصادية، وإنسانية وصفتها تقارير أممية ودولية بأنها "الأسوأ" في العالم.وبدأت الأيام الأولى لحصار غزة، عندّما فرضته إسرائيل على القطاع إثر نجاح حركة "حماس" التي تعتبرها "منظمة إرهابية" في الانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006.ثم عززت إسرائيل الحصار، وشدّدته في منتصف حزيران/ يونيو 2007 إثر سيطرة الحركة على القطاع، واستمرت في هذا الحصار رغم إعلان "حماس" التخلي عن "حكم غزة" مع تشكيل حكومة توافق وطني فلسطينية أدت اليمين الدستورية في الثاني من يونيو/ حزيران 2014.وخلال عقد من الزمن، تعرض قطاع غزة، لحصار إسرائيلي خانق، وانتهاكات مستمرة، تزامنت مع شن إسرائيل لثلاث حروب، أدت إلى تراكم الأزمات الاقتصادية والإنسانية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، إلى مستويات مخيفة.وتزامنا مع العام العاشر للحصار الإسرائيلي، أطلق فلسطينيون، الاثنين الماضي حملة إلكترونية، للمطالبة بإنهاء معاناة قرابة مليوني مواطن يعيشون ظروفًا إنسانية واقتصادية صعبة.وطالبت آلاف التغريدات والتدوينات بفك الحصار المفروض على غزة، وفتح معبر رفح الحدودي أمام سفر الحالات الإنسانية والتنقل بحرية.وقال منسقو الحملة (هيئات شعبية وشبابية) إنها تأتي من أجل لفت أنظار العالم إلى المآسي التي يعاني منها القطاع.ونشر الغزّيون ومناصروهم صوراً عن واقع القطاع في ظل الحصار، وأرقاماً عن البطالة والفقر وأيام الحصار وتعدد الأزمات.وعقب فرض إسرائيل لحصارها على غزة أغلقت 4 معابر تجارية، وأبقت على معبرين وحيدين فقط، وهما معبر كرم أبو سالم كمنفذ تجاري وحيد، حصرت من خلاله إدخال البضائع المحدودة إلى القطاع، ومعبر بيت حانون "إيريز" كبوابة لتنقل فئات خاصة من الأفراد بين غزة والضفة الغربية وإسرائيل.ومع اشتداد وطأة الحصار في أعوامه الأولى، اتجه الفلسطينيون لحفر "الأنفاق" على طول الحدود بين غزة ومصر، في محاولة لإدخال "مواد" تمنع إسرائيل إدخالها مثل "الوقود" و"الدواء".ومنذ عزل الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، أول رئيس منتخب ديمقراطيا، في يوليو/ تموز 2013 وما أعقب ذلك من هجمات استهدفت مقارًا أمنية في شبه جزيرة سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، شددت السلطات المصرية من إجراءاتها الأمنية على حدودها البرية والبحرية مع القطاع، حيث طالت تلك الإجراءات، حركة الأنفاق.وباشرت آليات تابعة للجيش المصري، في أكتوبر/تشرين الأول 2014، بمد أنابيب مياه عملاقة على طول الحدود مع غزة في محاولة للقضاء على "أنفاق التهريب" المنتشرة أسفل الحدود المصرية مع القطاع، عن طريق إغراقها بمياه البحر.وأصدرت "هيئة الحراك الوطني لكسر الحصار وإعادة الإعمار" (غير حكومية)، الأحد الماضي إحصائية، قالت فيها إنّ الحصار الإسرائيلي المفروض منذ عشر سنوات على قطاع غزة، تسبب في تدهور الأوضاع الإنسانية والمعيشية للسكان، وأدخل القطاع في كوارث حقيقية في المجالات الصحية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية.وقالت الهيئة إن 80% من سكان قطاع غزة يتلقون مساعدات إغاثية وغذائية من المؤسسات الدولية والجمعيات الخيرية؛ إلا أن تلك المساعدات تضررت بسبب إغلاق المعابر ومنع وصول القوافل الإغاثية، الأمر الذي أوصل حالات الفقر والبطالة إلى مستويات كبيرة جداً، تجاوزت 40% كفقر مدقع، وارتفعت نسبة البطالة لأكثر من 45%".ومر القطاع الصحي بمراحل معقدة طوال الأعوام الماضية زادت من معاناة المرضى، حيث لا يزال رصيد أكثر من 30% من الأرصدة الدوائية و40% من المستهلكات الطبية الأساسية صفراً لدى وزارة الصحة، بحسب الهيئة.وأكدت الهيئة أن أزمة الكهرباء واحدة من أهم المشكلات التي أنتجها الحصار الإسرائيلي، وأن حلها بات ضرورة مُلحة لما تسببه من معاناة مركبة على كل مناحي الحياة.ويعاني قطاع غزة منذ عقد، من أزمة خانقة في الطاقة، الأمر الذي يجبر شركة كهرباء غزة على مد المنازل بتيار كهربائي، وفق جدول يشمل قطع التيار 8 ساعات ثم قطعه 8 ساعات أخرى، وتزيد ساعات القطع في حال نفاد الوقود، اللازم لتشغيل محطة توليد الكهرباء الوحيدة.ويحتاج القطاع إلى 360 - 370 ميغاواط من الكهرباء، حتى تعمل مدة 24 ساعة، بينما لا يتوفر حالياً إلا 210 ميغاواط، توفر منها إسرائيل (120 ميغاواط)، ومصر (32 ميغاواط)، وشركة توليد الكهرباء (60 ميغاواط).وتسببت الوسائل التي يستخدمها الفلسطينيون في إنارة منازلهم خلال فترة انقطاع الكهرباء بالعديد من الحرائق و"المآسي" الإنسانية.وتسبب الحصار الإسرائيلي برفع عدد العاطلين عن العمل إلى 213 ألفًا، يعيلون 900 ألف مواطن، وصلت نسبة الفقر في صفوفهم وصلت 70%، فيما وصلت نسبة البطالة 60%، بحسب إحصائية لنقابة العمال الفلسطينيين.وبحسب إحصائية اطلعت عليها "الأناضول" أصدرها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان (منظمة أوروبية حقوقية)، فإنه نتيجة الحصار القائم، تعاني ست من بين عشر عائلات من انعدام الأمن الغذائي، منها 27% تعاني من انعدام حاد للأمن الغذائي، و16% تعاني من انعدام متوسط للأمن الغذائي.وبلغت نسبة انكماش القطاع الصناعي 60%، ووصلت نسبة البطالة بين فئة الشباب إلى 62%، وفق إحصائية المرصد.وبفعل الحصار، فإن 40% من السكان يتلقون فقط من 4 إلى 8 ساعات من إمدادات المياه كل ثلاثة أيام، و90 إلى 95% من هذه المياه غير صالحة للشرب.وتشير أرقام المرصد إلى أن 90 ألف متر مكعب من المياه العادمة غير المعالجة تصب يوميا في مياه البحر المتوسط على شواطئ القطاع.كما تعمل المشافي في قطاع غزة بأقل من 40% من إمكانياتها، وحتى بعض العمليات في مستشفى الشفاء (حكومي) - الذي يعد أكبر مشافي القطاع - يتم تأجيلها لفترات تصل إلى 18 شهرا.واعتبر المرصد أن مرور عشر سنوات على الحصار يمثل "ضربة في الصميم للقيم الدولية".وتحاصر إسرائيل قطاع غزة بحرا، ولا يسمح سوى بمراكب الصيادين في دخول الشواطئ، وضمن مسافة إن تم تجاوزها فمصير الصيادين نيران البحرية الإسرائيلية أو الاعتقال.وهذه المسافة، قدرتها إسرائيل بستة أميال بحرية بدلا من ثلاثة، وذلك تنفيذا لتفاهمات اتفاق وقف إطلاق النار بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، برعاية مصرية في أغسطس/آب 2014، والذي أنهى حربا إسرائيلية على قطاع غزة استمرت 51 يوما، إلا أن مسؤولين فلسطينيين يقولون إن قوات البحرية الإسرائيلية "تعرقل عملهم، ولا تسمح لهم بالصيد".كما تحظر القوات الإسرائيلية على الفلسطينيين دخول المنطقة المحاذية للشريط الحدودي (مع المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل) لمسافة 300 متر، وتطلق عليها اسم "المنطقة العازلة"، وتطلق النار على من يتواجد فيها.وقال التقرير السنوي، الصادر عن منظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، مطلع أكتوبر/ تشرين أول 2015، إن "غزة قد تصبح منطقة غير صالحة للسكن بحلول عام 2020، خاصة مع تواصل الأوضاع والتطورات الاقتصادية الحالية في التراجع".وأضافت المنظمة أن "72% من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي".وفي مايو/ أيار 2014، ذكر البنك الدولي أن اقتصاد غزة ضمن أسوأ الحالات في العالم، إذ سجل أعلى معدل بطالة في العالم بنسبة 43% ترتفع لما يقرب من 70% بين الفئة العمرية من 20 إلى 24 عاماً.وبحسب وزارة الاقتصاد في غزة، فإن الحصار يتسبب بخسائر قيمتها مليون دولار يوميا على كافة الأنشطة الاقتصادية.وعقب سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، في صيف عام 2007، أغلقت مصر معبر رفح، وأبقته مفتوحا فقط للحالات الإنسانية، على فترات متباعدة.وبعد أن شنّت قوات خاصة من البحرية الإسرائيلية هجوما على سفينة "مافي مرمرة" التركية، ضمن أسطول مساعدات، عُرف باسم "أسطول الحرية"، كان متوجهًا إلى غزة يوم 31 مايو/ أيار 2010، وأسفر عن مقتل 10 متضامنين أتراك، أمر الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك بفتح معبر رفح.وبعد عزل مرسي على يد الجيش بمشاركة قوى وشخصيات سياسية ودينية في الثالث من يوليو/تموز 2013، أغلقت السلطات المصرية، معبر رفح، الواصل بين غزة ومصر، بشكل شبه كامل، ولم تقم بفتحه سوى للحالات الإنسانية.وفي عام 2015 ووفقا لإحصائيات وزارة الداخلية، كان العام الماضي، الأسوأ، في عمل معبر رفح، منذ عام 2009، إذ لم يُفتح سوى 22 يوما استثنائيا، وعلى فترات متفرقة، للحالات الإنسانية، والمرضى وحاملي الإقامات والجوازات الأجنبية.ويرى طلال عوكل، الكاتب السياسي في صحيفة الأيام الفلسطينية، أنّ قطاع غزة يعيش واقعا صعبا قد يستمر لسنوات أخرى. ويضيف عوكل لـ"الأناضول"، إن أزمات قطاع غزة، تراكمت إلى حد وصل إلى مستوى غير مسبوق.وتابع "للأسف الوضع يزداد سوءا، وفي ظل غياب الأفق السياسي، واستمرار الانقسام بين حركتي فتح وحماس، سيدفعنا لسنوات إضافية من الحصار".ورأى عوكل أن حل أزمات غزة رهن الحل السياسي، وتحقيق المصالحة الوطنية، ودعم أطراف عربية ودولية للاتفاقات والجهود التي من شأنها أن تعمل على رفع الحصار الإسرائيلي.