بورصة نيويورك (Getty)

موسى مهدي

وسط الهجمة الشرسة على شراء الدولار في سوق الصرف الأجنبي والموجودات الدولارية، تثار المخاوف من إقدام مجلس الاحتياط الفيدرالي “المركزي الأميركي”، على رفع الفائدة مجدداً خلال العام الجاري.

ويرى خبراء أن أي رفع للفائدة الأميركية ستكون له عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي الذي يعاني من الانكماش والتباين في أسعار الفائدة. فبينما رفع المركزي الأميركي الفائدة، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، وقال المصرف إنه سيرفع الفائدة مجدداً خلال العام الجاري، يخفض المركزي الياباني الفائدة تحت الصفر بنسبة 0.1%، لتصبح بذلك خامس اقتصادات العالم من حيث الناتج الإجمالي يستخدم الفائدة السالبة لتحفيز الاستثمار بدل ادخار الأموال في البنك المركزي. ومعروف أن التباين في سعر الفائدة بين الاقتصادات الرئيسية يقود إلى فارق كبير في العائد الاستثماري، الذي يعد أحد أهم مؤشرات توجهات الأموال.
ومن هذا المنطلق، يرى مصرفيون أن أي رفع للفائدة سيطلق موجة جديدة من هروب الاستثمارات من الدول الناشئة واقتصادات الصين واليابان وأوروبا إلى أميركا. وهذه الهجرة حدثت في منتصف عام 2014، من منطقة اليورو إلى سويسرا، كما حدثت العام الماضي من الصين إلى الحسابات الدولارية في مصارف أوفشور.
وكان خبراء قد توقعوا أن تكون ترليون دولار قد هاجرت من منطقة اليورو إلى أميركا خلال العام الماضي، بسبب التباين في سعر الفائدة.
كما توقع مصرفيون أن يؤثر رفع الفائدة الأميركية على ديون الاقتصادات الناشئة التي تقدر بحوالي 9 ترليونات دولار، من بينها 1.5 ترليون دولار لدى الصين. ويقولون إن معظم هذه الديون تم إقراضها بالدولار.
ومع انخفاض أسعار صرف العملات في الدول الناشئة وارتفاع الفائدة الأميركية التي ساهمت في قوة الدولار، سيكون من الصعب على اقتصادات هذه الدول خدمة هذه الديون لأن الفائدة عليها سترتفع.
ورأى خبراء، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي الذي عقد قبل أيام في دافوس، أن رفع الفائدة الأميركية كان خطأ كبيراً، في ظل ضعف النمو العالمي، وأنه مسؤول بدرجة كبيرة عما حدث من اضطراب في العملة الصينية وأسواق المال العالمية.
وفي هذا الصدد، يقول آرت كاشن، خبير الأسواق في “وول ستريت” الذي يدير منصة التداول لمصرف “يو بي إس” السويسري، إن رفع الفائدة الأميركية، في ديسمبر/كانون الأول الماضي، لم يكن قراراً سليماً، وإن جزءاً من أزمة اليوان الصيني تعود إلى قرار رفع الفائدة على الدولار.
ويشير في هذا الصدد إلى أن رفع الفائدة الأميركية أدى إلى رفع قيمة سعر صرف الدولار، وبما أن اليوان مرتبط بالدولار، فإن ذلك ساهم في رفع قيمة العملة الصينية مقابل العملات الأخرى، وهو ما أدى تلقائياً إلى قرار بنك الشعب الصيني “البنك المركزي” خفض قيمة العملة الصينية.
وحسب خبير الأسواق في “وول ستريت”، فإن خفض قيمة العملة الصينية أدى إلى مجموعة من الاضطرابات داخل السوق الصيني وفي الأسواق العالمية، حيث أدى داخل الصين إلى قيام الأثرياء بتنفيذ بيع صفقات ضخمة بسوق المال الصيني، في محاولة لحماية ثرواتهم المقومة باليوان من الهبوط، وتحويل جزء منها إلى الحسابات الدولارية.
وعلى الصعيد الخارجي عمدت الدول الآسيوية إلى التدخل في سوق الصرف لخفض قيمة عملاتها، حتى لا تفقد بضائعها تنافسيتها في السوق العالمي أمام الصادرات الصينية، وبالتالي حدثت في أسواق الصرف العالمية مخاوف من حدوث “حرب عملات” شبيهة بما حدث في أعقاب أزمة المال العالمية.
ويذكر أن خطوة رفع الفائدة الأميركية وجدت معارضة من كل من رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، ووزير الخزانة الأميركي الأسبق، لاري سمرز، الذي يحاضر حالياً في جامعة هارفارد، وكذا من بنك التسويات الدولية الذي يوجد مقره في مدينة بازل السويسرية.
ويذكر أن مصرف الاحتياط الفيدرالي، اعترف في بياناته التي نشرها يوم الأربعاء الماضي، بأن رفع الفائدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كانت له آثار سالبة على النمو الاقتصادي في أميركا. وقال المركزي الأميركي في بياناته إن رفع الفائدة أثر على معدل النمو للاقتصاد الأميركي، وإن قطاع الصادرات والاستثمارات لايزال ضعيفاً رغم النمو الذي حدث في عدد الوظائف الأميركية.
وحسب صحيفة “واشنطن بوست”، فإن المستثمرين لا يتوقعون إقدام المركزي الأميركي على رفع الفائدة في مارس/آذار المقبل.
وكان مصرف “بنك أوف أميركاـ ميريل لينش”، قد توقع في السابق أن يرفع الاحتياط الفيدرالي الفائدة على الدولار أربع مرات خلال العام الجاري، وبنسبة 0.25% في كل مرة، على أن يبدأ أول رفع للفائدة في مارس/آذار الماضي. ولكن خبراء اقتصاد يرون أن احتمالات رفع الفائدة الأميركية تتراجع وسط التدهور الاقتصادي الذي تعيشه الاقتصادات العالمية وآثاره المدمرة على الاقتصادات الناشئة.
وفي ذات الصدد قال البروفسورستيف كينز بجامعة كينزنغتون الأسترالية يوم الجمعة، إن قرار رفع الفائدة لم يكن صائباً، لأنه أدى إلى تداعيات سالبة على الاقتصادات الناشئة. وأشار في تصريحات للصحافة الأسترالية إلى أن “الاحتياط الفيدرالي إذا رفع الفائدة مرة أخرى فسيضطر في نهاية العام إلى التراجع وخفض الفائدة مرة أخرى”.
ويرى البروفسور فراي ماككين من جامعة “أستراليا ناشونال يونيفرستي”، أن رفع الفائدة سيقود تلقائياً إلى إبطاء النمو الاقتصادي العالمي وسوق السندات بالاقتصادات الناشئة.
تداعيات الفائدة على أميركا.
على الرغم من معدل النمو الاقتصادي المتصاعد الذي تشهده أميركا، والذي من المتوقع أن يفوق 3% خلال العام الجاري، إلا أن الاقتصاد الأميركي يواجه مجموعة من المتاعب. من بين هذه المتاعب التداعيات السلبية لقوة الدولار على الشركات الأميركية التي يعتمد نموها على الصادرات. كما أن الشركات النفطية تعاني من تراكم الديون، وسط انهيار أسعار النفط وهروب المستثمرين من أسهمها.
كما تواجه البنوك أزمة افلاسات شركات النفط الصخري، أو ديونها التي لم تعد تدر فوائد ومشكوك في تحصيلها خلال العام الجاري. ويقدر حجم ديون شركات النفط الصخري المشكوك في تحصيلها بحوالي 321 مليار دولار.
وعلى صعيد القوة الشرائية التي يعتمد عليها معدل النمو الاقتصادي الأميركي، فهنالك مخاوف من أن يقود رفع الفائدة إلى زيادة أقساط قروض المساكن وأقساط خدمة الديون الشخصية، ويقلل بالتالي من حجم الأموال المتوفرة لدى المستهلك الأميركي للإنفاق.
ومثل هذه المخاوف ستكون لها عواقب سالبة على النمو، خاصة إذا أخذنا في الاعتبار أن حجم السوق الاستهلاكي يقدر بحوالي 11 ترليون دولار. أما على صعيد الشركات الأميركية، فإن رفع الفائدة سيقود إلى زيادة كلف التمويل وخدمة الديون، وهذا على جانب ميزانياتها.
أما على جانب مبيعاتها، فإن رفع الدولار سيقود تلقائياً إلى غلاء البضائع المصنعة داخلياً، مقارنة بالبضائع المستوردة. وهو ما سيؤدى إلى تباطؤ مبيعاتها في السوق الأميركي الذي يعد من أهم الأسواق لنمو الشركات.
ويذكر أن الشركات الأميركية تضغط حالياً من أجل الإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير خلال العام الحالي، الذي لم يتأكد فيه حدوث تحول حقيقي وثابت في نمو أعمالها.