لم تتوقف قضية اختفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي على ردود الفعل السياسية بل تجاوزتها إلى تأثيرات اقتصادية ألقت بظلالها على الأسواق المالية والأجواء الاستثمارية في المملكة التي تنتظر بعد أيام قليلة تنظيم مبادرة مستقبل الاستثمار المقرر إجراؤها في الفترة ما بين 23 و25 أكتوبر الجاري في الرياض.

 

** البورصة

 

تكبّدت البورصة السعودية خسائر حادة، مطلع الأسبوع الجاري بعد أن هوى المؤشر العام للسوق، متأثرا بعمليات بيع واسعة من جانب المستثمرين.

 

وتراجع مؤشر سوق الأسهم السعودي فاقدا نحو 700 نقطة (ما نسبته 7%)؛ وسط هبوط أغلب الأسهم في بورصة الرياض قبل أن تعاود تعافيها خلال اليومين الماضيين.

 

وأرجعت وكالة "فرانس برس" تراجع أسهم البورصة السعودية إلى الضغوط الدولية المتزايدة على المملكة، بسبب اختفاء خاشقجي.

 

** الريال السعودي

 

بلغ السعر المعروض للريال السعودي 3.7514 للدولار الأمريكي في السوق الفورية خلال المعاملات المبكرة اليوم وهو أضعف مستوى له منذ يونيو 2017، حسبما أظهرته بيانات رفينيتيف حيث تواجه المملكة ضغوطا بسبب أزمة خاشقجي.

 

وارتفع الدولار 74 نقطة مقابل الريال وهو أعلى مستوى في ثمانية أشهر من 54 نقطة يوم الثلاثاء، وفي 2016 ارتفع فوق الألف نقطة لفترة وجيزة.

 

وأظهرت التعاملات الآجلة في أسواق العملة، التي تستخدمها البنوك للتحوط من التحركات المحتملة لسعر الصرف في المستقبل، ضغوطا متوسطة على الريال.


كما قفزت تكلفة التأمين على الدين السيادي السعودي إلى أعلى مستوى في 11 شهرا اليوم  أيضا.

 

 

** مقاطعة دافوس الصحراء

ويحمل مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار" اسم "دافوس في الصحراء"، ويعد جزءا من "رؤية 2030" الخاصة بولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

 

وقبل الأزمة دعت المملكة نخبة كبيرة من رجال الأعمال في العالم، ومنهم كبار المستثمرين، ورؤساء شركات متعددة الجنسيات في مجالات الإعلام والتكنولوجيا والخدمات المالية.

 

إلا أنه عقب أزمة اختفاء الصحفي جمال خاشقجي ساهمت في إثارة مخاوف المستثمرين بمؤشرات المال السعودية، خاصة مع تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات على المملكة حال ثبوت تورطها في مقتل الصحفي السعودي البارز جمال خاشقجي.

 

ويمنح القانون رئيس الولايات المتحدة صلاحية فرض عقوبات ورفض تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة، وتجميد أموال أي مسؤول أجنبي متورط في انتهاك حقوق الإنسان.

 

والعقوبات الأمريكية على أي دولة أو شخص تتحول إلى ما يشبه العقوبات الدولية لأنها في كثير من الأحيان تطال أيضا الأشخاص والمسؤولين والدول والجهات التي قد تتعامل مع المسؤول أو الشخص الخاضع للعقوبات الأمريكية.

 

 وأعلنت شخصيات عامة ومؤسسات إعلامية غربية، انسحابها من مؤتمر "مبادرة مستقبل الاستثمار"، وكل يوم تتوالى الانسحابات التي باتت تهدد مصير انعقاد المؤتمر.

 

وانضم صندوق النقد الدولي إلى قائمة المنسحبين من مؤتمر الاستثمار السعودي. وقال متحدث باسم الصندوق في بيان له الثلاثاء: "تأجلت زيارة مديرة الصندوق المقررة سلفا إلى منطقة الشرق الأوسط، وكانت تشمل الرياض".

 

كما انسحبت غالبية المؤسسات الإعلامية الراعية للمؤتمر بينها شركة "نيكاي" الإعلامية اليابانية، ووكالة "بلومبيرغ" الأمريكية، وشبكة "سي إن إن" و "سي إن بي سي" الأمريكيتين، وصحيفة "ذا فاينينشال تايمز" البريطانية وصحيفة "ذا نيويورك تايمز"، ومجلة "ذا إكونومست" البريطانية.

 

وشككت "لوموند" في نجاح النسخة الحالية من "دافوس الصحراء"، مشيرة إلى أن هذه المبادرة استقطبت في نسختها الأولى العام الماضي كبريات الشركات ووسائل الإعلام العالمية، لكن قضية خاشقجي ألقت بظلالها على نسختها الجديدة، فألغت مؤسسات وشخصيات وازنة مشاركتها بهذه التظاهرة خشية تشويه صورتهم في العالم.

 

ويعتقد محللون أن أي ثبوت لتورط القيادة السعودية أو أجهزتها الأمنية في قضية اختفاء خاشقجي سيؤثر سلبا على مستقبل الشراكات الاقتصادية للمملكة مع المؤسسات والأفراد الدوليين الذين يتوجسون من أي خرق محتمل للقانون الدولي والحريات العامة، لذلك فهم "يرفضون وضع أيديهم مع هؤلاء".

 

** مدينة نيوم

 

وقرر إرنيست مونيز وزير الطاقة الأميركي إبان عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تعليق عمله في مجلس يقدم خدمات استشارية للسعودية بشأن مشروع مدينة نيوم الاقتصادية إلى أن تتوفر مزيد من المعلومات بشأن خاشقجي، وفق ما أورده موقع أكسيوس الإخباري.

 

وتزامن قرار الوزير الأمريكي مع حديث عن انسحاب محتمل لشركة آبل من مشروع نيوم في أعقاب اختفاء خاشقجي في الثاني من أكتوبر الجاري بعد زيارة للقنصلية السعودية في تركيا.

 

فقد ضمت قائمة مجلس استشاري جديد لمشروع نيوم أعلنته السعودية لفترة وجيزة كبير مصممي آبل جوني إيف قبل حذفه منه.

 

وقد تكون لانسحاب ممثل آبل علاقة بالانتقادات التي قوبل بها إعلان انضمام أسماء بارزة في عالم الأعمال في مشروع نيوم على خلفية اختفاء خاشقجي.

 

ومشروع نيوم منطقة خاصة تعتزم السعودية بناءها بتكلفة تصل إلى نصف تريليون دولار في شمال غرب المملكة، وتمتد بين ثلاث دول، وهي: السعودية ومصر والأردن، ووصفتها القيادة السعودية بكونها مدينة المستقبل والأحلام. لكن كثيرين يعتقدون أن تكلفة هذا المشروع تفوق الإمكانات الاقتصادية للسعودية.

 

ويقول الخبير الاقتصادي، عبد الرحيم الهور، إنه إذا ثبت تورط القيادة السعودية أو أجهزة الأمن بالمملكة في أي خرق للقانون الدولي والحريات العامة وحقوق الإنسان؛ فإن ذلك سيؤثر بشكل كبير سلبا على المؤسسات الدولية والأفراد المستقلين بالتعامل مع المملكة.

 

ويضيف الهور، في تصريحات صحفية، أن موقف هذه المؤسسات يأخذ دائما طابعا براغماتيا يرتبط بحرصها على استمرار نجاحاتها في التزام تام بالقوانين الدولية، وضرب مثالا بشركة آبل التي قال إنها تعي جيدا أن أي خرق للقانون الدولي سيؤثر على مردوديتها في المستقبل.

 

ويعتقد أن أي تجاوز للقانون الدولي له علاقة بالصحافة يشكل هو الآخر ضغطا مباشرا على الشركات ذات السمعة الدولية، التي ترفض أن تكون شريكا لمن يخرق التشريعات الدولية.

 

ويؤكد  أن الرأسمال والمعرفة والموارد البشرية ثالوث يشكل أساس الاستثمار الذي لا يمكن أن يذهب إلى المناطق التي يغيب فيها الاستقرار السياسي وتضعف فيها البنيات القانونية والسياسية الكفيلة بحمايته.

 

الخبير الاقتصادي، خالد الخاطر، يقول إن قضية خاشقجي أخذت بعدا عالميا وتعاطفا شعبيا؛ مما جعل القرار السعودي في وضع لا يحسد عليه.

 

ويضيف الخاطر، في تصريحات صحفية، أن مواقف بعض الشركات والشخصيات السياسية والمنابر الإعلامية من قضية خاشقجي تعكس مستوى القلق والتوتر الكبير لدى هؤلاء وعند المستثمرين وصناع القرار بشكل عام من مدى الرعونة التي يتسم بها القرار السعودي في المرحلة الحالية.

 

ويشير إلى أن مثل هذا التخبط في السياسات والقرارات المتهورة غير محسوبة العواقب تخيف المستثمرين وتحدث تصدعا في مصداقية السياسات وقابليتها للاستدامة في المملكة، وبالتالي تخلق مناخا طاردا للاستثمار وتؤدي إلى عزوف المستثمرين وخروج رؤوس الأموال، على عكس ما تخطط وتطمح إليه المملكة، وفق تعبيره.

 

ويرى الخاطر أن الشركات والمؤسسات وصناع القرار الدوليين يتخوفون من الارتباط بأنظمة على هذا المستوى من التفكير والتخبط والتهور غير محسوب العواقب.

 

 

** الاستثمارات السعودية بالخارج

 

قدرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية في يوليوالماضي قيمة استثمارات مؤسسة النقد السعودي (المصرف المركزي السعودي) في الولايات المتحدة بنحو 506 مليارات دولار، وجزء كبير منها في سندات الخزانة الأمريكية والأوراق المالية.

 

وضخت السعودية خلال الآونة الأخيرة مليارات الدولارات في قطاع التكنولوجيا في وادي سليكون في كاليفورنيا بهدف تنويع مصادر الدخل والحد من اعتمادها على صادرات النفط.

 

أما صندوق الاستثمارات العامة ( أشبه بصندوق الاستثمار السيادي) والمرتبط بولي العهد السعودي محمد بن سلمان ويرأسه حاليا ياسر الرميان فيدير استثمارات تصل قيمتها إلى 250 مليار دولار وقد استثمر هذا الصندوق مليارات الدولارات في السوق الامريكية وخاصة في قطاع التكنولوجيا.

 

 

** تراجع

 

من جهة أخرى، أشارت بعض التقارير إلى خروج عشرات مليار دولار من السوق السعودية خلال السنوات القليلة الماضية.

 

وقدر معهد المال الدولي حجم الرساميل التي خرجت من السعودية عام 2017 بحوالي 64 مليار دولار و55 مليار دولار في العام الذي سبقه.

 

واضطرت الحكومة السعودية خلال السنوات القليلة الماضية إلى اللجوء إلى احتياطاتها المستثمرة في الخارج في أعقاب تراجع اسعار النفط لسد العجز في موازناتها السنوية.

 

وتراجعت قيمة الأرصدة الحكومية التي كان يديرها البنك المركزي السعودي  عام 2017 إلى اقل من 492 مليار دولار وهو أدنى مستوى له منذ عام 2011 .

 

وكانت قيمة هذه الأرصدة قد تجاوزت 747 مليار دولار عام 2014.

 

** ماذا حدث لخاشقجي؟

واختفت آثار الصحفي السعودي خاشقجي في 2 أكتوبر الجاري، عقب دخوله قنصلية بلاده في إسطنبول، لإجراء معاملة رسمية تتعلق بزواجه.

 

وفيما قال مسؤولون سعوديون إن خاشقي غادر القنصلية بعد وقت قصير من دخولها، طالب الرئيس رجب طيب أردوغان، المملكة بتقديم ما يثبت ذلك، وهو ما لم تفعله السلطات السعودية حتى الآن، وقالت إن كاميرات القنصلية “لم تكن تسجل” وقت دخول خاشقجي.

 

ووافقت تركيا على طلب سعودي بتشكيل فريق تحقيق مشترك في القضية، وفي سياق ذلك أجرى فريق بحث جنائي تركي، مساء الإثنين، أعمال تحقيق وبحث في مقر القنصلية السعودية.

 

فيما أصدرت أسرة خاشقجي، الثلاثاء، بيانا طالبت فيه بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف حقيقة مزاعم مقتله بعد دخوله القنصلية.

 

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن مسؤولين أتراكَ أبلغوا نظراءهم الأمريكيين بأنهم يملكون تسجيلات صوتية ومرئية تثبت مقتل خاشقجي داخل القنصلية، وهو ما تنفيه الرياض.

 

وطالبت دول ومنظمات غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، الرياض بالكشف عن مصير خاشقجي، فيما عبرت دول عربية عن تضامنها مع السعودية في مواجهة تهديدات واشنطن بفرض عقوبات عليها إذا ثبت تورطها في مقتل خاشقجي.