إقبال على التسوق خلال أعياد الميلاد بطوكيو (Getty)

موسى مهدي

بعد ثماني سنوات من سياسات “أموال التحفيز”، التي تطبع بدون إنتاج، وتضخ في شرايين الاقتصاد العالمي، تجد البنوك المركزية نفسها عاجزة عن تحريك عجلة النمو الاقتصادي، وتتجه حالياً نحو حيلة جديدة، ألا وهي حيلة “الفائدة السالبة”، التي طبقها أول مرة “المركزي الأوروبي” في منتصف العام 2014، ثم تلاه المركزي السويسري في نهاية العام نفسه، ثم المركزي الدنماركي والمركزي السويدي.

وفي يوم الجمعة، أمس الأول، انضمت اليابان إلى ركب “الفائدة السالبة”، لتحفيز الاقتصاد. وهو ما يعني عملياً، أن البنوك التجارية ستخسر من ودائعها مع “بنك اليابان”، المركزي الياباني، نسبة 0.1%.
وبخطوة “المركزي الياباني” التي أتخذت يوم الجمعة تكون حوالى 20% من اقتصادات العالم تعتمد حالياً على سياسة الفائدة السالبة لتحريك اقتصاداتها الراكدة نحو النمو. وكان المركزي الياباني قد حدد، في خطوة مفاجئة، معدل فائدته على الودائع بناقص 0.1% على أن يدخل القرار حيز التنفيذ اعتباراً من 16 فبراير/شباط.
وقال إن الإجراء يمكن أن يتم توسيعه “إذا كان ذلك ضروريا”. وهو ما سيزيد من معدل الفائدة تحت الصفر على إيداعات البنوك التجارية في اليابان.
ومنذ ديسمبر/ كانون الأول، كان محافظ البنك المركزي الياباني، هاروهيكو كورودا، يقول إنه سيتخذ كل الوسائل لتحفيز الإقراض وزيادة التضخم. ويرى اقتصاديون أن سياسة الفائدة السالبة في اليابان وباقي الدول التي أقرتها تعكس حالة الاضطرار الشديد لهذه الدول لرفع مستويات الإنفاق وبالتالي رفع مستويات التضخم المنخفض.
ولأول مرة يصبح انخفاض معدل التضخم مشكلة في العالم، وهو ما يدل على أزمة عميقة تعيشها الاقتصادات العالمية، ولم تتمكن من حلها منذ أزمة المال العالمية في العام 2008.
ويسعى “المركزي الياباني” عبر سياسة الفائدة السالبة إلى تحقيق عدة أهداف اقتصادية ومالية، أولها: زيادة الإنفاق والاستثمارات في الاقتصاد الياباني. وذلك لأن الفائدة السالبة ستعني أن البنوك التجارية ستضطر إلى سحب ايداعاتها من البنك المركزي أو تقليل حجمها حتى لا تتعرض لخسائر، لأن أية إيداعات مع البنك المركزي ستدفع عليها البنوك التجارية نسبة فائدة. وبالتالي يستهدف المركزي تنشيط عمليات الإقراض للشركات والأفراد.
ثانياً: زيادة حجم الاستثمار في الأعمال التجارية الجديدة وتوسيع الأعمال التجارية القائمة.
ثالثاً: دعم القوة الشرائية عبر دفع المواطنين للإنفاق أكثر، لأنهم سيحصلون على قروض رخيصة من البنوك التجارية وبنسبة فائدة أقل، هذا من جهة الحصول على الأموال. أما من جهة من يملكون الأموال، فإنهم سيضطرون لإنفاقها مادام إدخارها لا يجلب لهم منافع مادية، أو أن قيمتها ستتآكل ما دامت الفائدة سالبة.
رابعاً: تقود الفائدة السالبة إلى خفض قيمة الين الياباني، كما عملت في السابق على خفض قيمة العملة الأوروبية، اليورو، والفرنك السويسري والكرونة الدنماركية.
ويرى بنك اليابان، أن انخفاض قيمة الين، من الأهداف المهمة لإنعاش الاقتصاد. وذلك لأن سعر الين المنخفض سيرفع من حجم الصادرات اليابانية، عبر زيادة تنافسيتها عالمياً من جهة. ومن جهة أخرى، فإن سعر صرف الين المنخفض سيقود إلى شراء المواطنين في اليابان السلع المصنعة محلياً، مقارنة بنظيراتها العالمية،لأنها ستكون أرخص. وبالتالي سيتمكن بنك اليابان عبر هذه الحيلة من إنعاش القوة الشرائية لبضائع الشركات اليابانية محلياً داخل اليابان وخارجياً في أسواق الاستهلاك الرئيسية.
ولكن في مقابل هذه الفوائد التي يستهدفها “المركزي الياباني”، فإن هنالك مخاوف من أن تقود نسبة “الفائدة السالبة”، إلى “حرب عملات” عالمية، لأن الدول الأخرى التي تنافس اليابان على سوق الصادرات العالمي ستقوم هي الأخرى بخفض قيمة عملاتها، حتى لا تخسر أسواقها لليابان. كما يرى اقتصاديون أن “الفائدة السالبة” في اليابان ستقتل تلقائياً الادخار.
وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي كيت جوكز بمصرف “سوسيته جنرال” الفرنسي، “إن اليابان عبر هذا الإجراء تقول لمواطنيها أوقفوا الادخار”.
وكان البنك المركزي الأوروبي اقد طبق الفائدة السالبة في يونيو العام 2014، ولكن لم يكن خفض قيمة سعر صرف اليورو،أحد الأهداف وإنما كان يستهدف إنعاش الاقتصاد.
ولكن الخطوة أدت في النهاية إلى خفض سعر صرف اليورو وهجرة الأموال من دول منطقة اليورو إلى سويسرا. وهو ما قاد البنك الوطني السويسري “البنك المركزي” إلى تعليق سعر الصرف الثابت للفرنك السويسري مقابل اليورو، الذي كان محدداً بقيمة1.2 فرنك لليورو.
وهو ما أدى تلقائياً لوقف تدفقات رؤوس الأموال الأوروبية إلى البنوك السويسرية. وتدفقات الأموال الأوروبية إلى سويسرا قد تبدو إيجابية بالنسبة للبنوك السويسرية، ولكنها كانت ذات آثار سلبية على صادرات السلع وبالتالي على النمو الاقتصادي.