نقص السيولة يقوض القدرات الشرائية للمواطنين (Getty)

طرابلس ــ أحمد الخميسي

قالت مصادر مسؤولة في القطاع المصرفي الليبي، لـ “”، إن أزمة نقص السيولة قد تحول دون تسليم الرواتب لموظفي القطاع الحكومي خلال أشهر قليلة.
وتُنفق ليبيا نحو 16 مليار دينار ليبي (11.4 مليار دولار) سنويا لسداد رواتب الموظفين، لكن الأزمة المالية التي تمر بها البلاد منذ خمس سنوات، أفضت إلى تأخر الرواتب لفترة تقترب من الثلاثة أشهر أحيانا، في ظل نقص السيولة بالجهاز المصرفي.

وقد اضطرت بعض المؤسسات الحكومية في الأشهر الماضية، إلى منح موظفيها صكوكا مصرفية بقيمة رواتبهم، غير أن تلك الصكوك عادة ما تكون بدون رصيد حقيقي، أو يتعذر صرفها لنقص السيولة في المصارف.
وقال مسؤول في مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، لـ “”: إن ثمة مشكلات حقيقية تتعلق بنقص السيولة وضخها في السوق، مما اضطر المركزي إلى تقنينها للحفاظ على معدلات العملة المتداولة خارج المصارف عند نحو 27 مليار دينار، غير أن ضعف الادخار في مقابل ارتفاع معدلات السحب من المصارف، أدى إلى وجود أغلب السيولة خارج الجهاز المصرفي.
وأشار المصدر، الذي طلب عدم نشر اسمه، إلى أن البنك المركزي قام بطباعة عملة جديدة من فئتي خمسة وعشرة دنانير وضخها في السوق نهاية العام الماضي، في مسعى إلى إثراء السوق بالسيولة، غير أن الأزمة لا تزال قائمة، مؤكداً عدم قدرة المركزي على الحفاظ على معدلات السيولة خارج المصارف، في ظل عدم وجود استقرار سياسي في البلاد.
وتعاني مصارف طرابلس، منذ أسبوع، نقصا حادا في السيولة، وانتشرت مشاهد اصطفاف المواطنين في طوابير طويلة أمام المصارف منذ ساعات الصباح الأولى لسحب ودائع، في ظل غياب أية إجراءات من البنك المركزي لمواجهة الأزمة، فيما حددت المصارف سقفا لمعدلات السحب اليومي لا يتعدى 500 دينار.
وفي ليبيا مصرفان مركزيان، أحدهما في شرق البلاد، ويستعين بسلف وعهد مالية من مصرف الوحدة والتجاري الوطني لسداد رواتب المنطقة الشرقية، وقد وصلت ديونه إلى نحو خمسة مليارات دينار حتى نهاية العام الماضي.
أما الثاني فهو مصرف ليبيا المركزي ومقره طرابلس، وهو الذي بحوزته الأرصدة والحسابات المصرفية والمنظومة المركزية والإيرادات النفطية.
وخلال جولة لمراسل “” في مصارف العاصمة، تبين أن فرعا وحيدا من بين عشرة أفرع لمصرف الجمهورية وسط العاصمة، هو الذي يعمل، وقد حدد مصرف الجمهورية، الأكبر على مستوى الدولة، حدا أقصى للسحب عند 400 دينار، فيما امتدت طوابير المواطنين أمام الفرع لعشرات الأمتار.
وقال أحد المواطنين الذين اصطفوا أمام مصرف الجمهورية بشارع الصريم، ويدعى عمر الأحمر: “قدمت من مدينة مزدة (200 كلم جنوب طرابلس) لسحب نقود.. المصارف الكائنة في المنطقة التي نقطنها مغلقة منذ خمسة أشهر بسبب نقص السيولة”.
وبالطبع لا يتناسب الحد الأقصى للسحب مع احتياجات الأحمر، فهو لم يقطع كل هذه المسافة لسحب 400 دينار وحسب، وفق قوله، مما يضطره إلى المكوث في طرابلس نحو ثلاثة أيام لسحب 1200 دينار تساهم في سداد حاجته وأسرته.
وذكر الأحمر أن آخر راتب تقاضاه من وظيفته في قطاع التعليم كان في سبتمبر/أيلول الماضي.
أما حسين محمد، الموظف في هيئة دعم وتشجيع الصحافة (حكومية)، فقد تراكمت لدى المصرف رواتب ثلاثة أشهر لم يستطع سحبها، بسبب أزمة نقص السيولة.
وقال مسؤول في الشركة العامة للكهرباء، إن موظفي الشركة الحكومية لم يتقاضوا رواتبهم منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
ويقول المراقبون إن مخاوف المواطنين بشأن سلامة مدخراتهم في البنوك، أفضت إلى زيادة عمليات سحب الودائع خلال عام ونيف، حيث بات المواطنون أقل ثقة في المصارف بسبب الصراعات المسلحة، التي تدور في البلاد منذ سنوات، فضلا عن تراجع إيرادات الدولة بشكل حاد، فيما لجأ أكثر المواطنين إلى اكتناز مدخراتهم في منازلهم.
ويرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة طرابلس، أحمد أبولسين، أن الاقتصاد الليبي وقع في فخ السيولة، وهي ظاهرة تعني الاحتفاظ بالنقود السائلة عبر اكتناز وعدم ضخها في الجهاز المصرفي كمدخرات.
وقال لـ “”: “الخطر يداهم نظامنا المصرفي، وقد يعصف به نهائيا في حالة عدم اتخاد جملة من الإجراءات كسحب بعض الإصدارات من التداول وتقنين السحب في المصارف التجارية”.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيولة المتداولة خارج المصارف تزيد عن 27 مليار دينار (19.2 مليار دولار)، في حين أن قدرة استيعاب الاقتصاد لا تتعدى 8 مليارات دينار (5.8 مليارات دولار).
وتعتمد ليبيا بشكل كلي على عائدات النفط، الذي هوت معدلات إنتاجه إلى حدود 350 ألف برميل يومياً في المتوسط، ما يقل عن ربع القدرات الإنتاجية التي تتوفر عليها ليبيا في الظروف الطبيعية، والتي تقترب من 1.6 مليون برميل يومياً.