الأقصر – أحمد مرعى

كل يوم تظهر جبانة دراع أبو النجا الفرعونية القابعة فى قلب جبل القرنة غربى محافظة الأقصر مقابر تاريخية جديدة كانت آخرها مقبرتى "أوسرحات" مستشار المدينة، و"أمنمحات" صائغ الذهب للإله آمون، وما زالت تسبح أسفل المنطقة مقابر المئات من قيادات وكبار رجال الدولة الفرعونية بداية من الأسرة 17 حتى الأسر المتعاقبة فيما بعد.

 

ولعل ما أظهرته جبانة دراع أبو النجا الفرعونية مؤخراً من مقابر فرعونية، يعد أكبر مساهمة فى دعم الصورة الذهنية للأقصر بجذب سائحين أكثر مستقبلاً لمشاهدة تلك الآثار التاريخية، ويسعى لحضور تلك الاكتشافات المميزة للمقابر فى المنطقة لفيف من سفراء وملحقين السفارات الأجنبية بمصر، وفيما يلى نرصد التاريخ الكامل وكافة تفاصيل جبانة دراع أبوالنجا التاريخية فى البر الغربى بالأقصر.

 

1- ما هى جبانة دراع أبوالنجا وأين موقعها بالأقصر؟

فى هذا الصدد، يقول الطيب عبد الله حسن مرشد سياحى بالأقصر، أن منطقة "جبانة دراع أبو النجا" تقع عند مدخل الطريق المؤدى للدير البحرى شمالى مقابر العساسيف، وتبعد أمتارًا قليلة عن مداخل منطقتى وادى الملوك ووادى الملكات فى غربى محافظة الأقصر.

وتعتبر جبانة دراع أبو النجا، واحدة من أقدم الجبانات فى الأقصر، وقد تم اكشاف داخلها عدة مقابر مهدمة ومنهوبة ترجع الى ايام الدولة الوسطى والعصر المتوسط الثانى، كما تنتشر فيها أعداد كبيرة من المقابر الصخرية الخاصة بكبار الموظفين والكهان والقواد والتى يتجاوز عددها الـ90 مقبرة وترجع إلى الدولة الحديثة الفرعونية، والتى تتميز بنقوشها الرائعة رغم ما أصابها من تخريب.

 

2- كم عدد المقابر المكتشفة داخل جبانة دراع أبو النجا بالأقصر؟

أخرجت جبانة دراع أبو النجا حتى الآن أكثر من 50 مقبرة تاريخية على مدار السنوات الماضية، وما زالت لم تخرج كافة أسرارها حتى الآن، حيث إنها تضم مقابر عديدة فى مناطق متفرقة بمداخل مختلفة للحماية من السرقة، والتى تم استخدامها فى الأسرة 17 من العصر الفرعونى كمقابر جنائزية، ثم تواصل العمل فى الدفن داخلها فى الأسرة التى تلتها، وخلال العصر القبطى شيد الأقباط ديرا لهم وهو "دير البخيت"، فوق تلك المقابر الفرعونية.

 

3- ما أبرز المقابر التى اكتشفت فى الماضى داخل جبانة دراع أبوالنجا؟

من أبرز المقابر التاريخية المتواجدة داخل منطقة دراع أبو النجا التى تشمل المقابر البحرية والمقابر الوسطى والمقابر القبلية، وهى أمنحتب الأول والملكة أحمس نفرتارى، ومقبرة 13 الخاصة بشوروى رئيس حملة مبخرة الإله آمون، ومقبرة 255 الخاصة بروى الكاتب الملكى بمدن حورمحب وآمون، ومقبرة نفرحتب والتى عثر فيها على بردية بولاق وهو كاتب طيبى مارس وظيفته أثناء وزارة "عنخو" الذى كلفه بوضع ميزانية البالط الملكى حيث سجل بها المدفوعات والإيرادات يومياً لعمل موازنة يحدد فيها رصيد اليوم.

 

وكذلك تشمل منطقة دراع أبوالنجا مقابر رقم 11 الخاصة بـ"تحوتى"وزير الخزانة والأشغال، وهو من الشخصيات الكبيرة فى عهد الملكة حتشبسوت، والمقبرة رقم 18 الخاصة بـ"باكى" رئيس وزانى ذهب آمون فى عهد الملك تحتمس الثالث، والمقبرة رقم 19 للكاهن "آمون مس" من أوائل الأسرة التاسعة عشرة، أما فى الجزء الجنوبى منها فتوجد المقبرة رقم 17 لـ "نب آمون" أحد قادة الملك تحتمس الثالث، والمقبرة رقم 35 الخاصة بـ"باك أن خنسو" للكاهن الأول لأمون فى عهد رمسيس الثانى، والمقبرة رقم 289 لـ"ستاو" الابن الملكى لـ "كوش" أى نائب الملك فى بلاد النائب فى عهد الملك رمسيس الثانى، ومقبرة "مارييت" التى عثر العمال فيها على تابوت الملك "كامس" من ملوك الأسرة 17، وعثر فيها أيضا على تابوت أمه الملكة "أعح حوتب" وفيه مجموعة حليها الفخمة التى تعتبر من أجمل كنوز المتحف المصرى.

 

4- ما هى تفاصيل اكتشاف مقبرة "أمنمحات" الأخيرة فى دراع أبوالنجا؟

يقول الدكتور محمد عبد العزيز مدير آثار مصر العليا، أن المقابر التاريخية بمنطقة دراع أبو النجا تخرج كنوزًا مميزة تؤكد عظمة الحضارة المصرية، ففى مقبرة "أمنمحات" الجديدة ظهرت وهى تتكون من مدخل يؤدى إلى حجرة شبه مربعة تنتهى بلوحة عليها نص يحتوى على اسم صاحب المقبرة وبها قاعدة مبنية بالطوب اللبن عليها تمثال مزدوج لصاحب المقبرة وزوجته، وبينهما بقايا تمثال صغير لابنهما المدعو "نب نفر"، وعلى يمين الداخل يوجد البئر الرئيسى للمقبرة من المرجح أن يكون حفر لصاحب المقبرة وزوجته ويبلغ عمقه حوالى 7 أمتار ويؤدى إلى فتحة بها عدة دفنات تم العثور بداخلها على مجموعة من التوابيت والمومياوات والأقنعة الخشبية وبعض التماثيل صغيرة الحجم، وعلى يسار الداخل للمقبرة يوجد فتحة تؤدى إلى بئر عثر بداخله على مجموعة من التوابيت تعود لعصر الأسرتين 21-22 بعضها تعرض للحرق عمدا فى العصور المتأخرة.

وأضاف الدكتور محمد عبد العزيز لـ"اليوم السابع"، أن أهمية هذه المقبرة تعود إلى ما تم العثور عليه داخلها، حيث عثر على أجزاء للوحة تقدمة القرابين من الحجر الجيرى لصاحب المقبرة، وتمثال مزدوج من الحجر الرملى لشخص يدعى "مح" وكان يعمل تاجر بمعبد تحتمس الثالث، وبقايا لأربعة توابيت خشبية مزينة بكتابات هيروغليفية ومناظر لآلهة مختلفة ترجع لعصر الأسرات 21، 22، بالإضافة إلى 150 تمثال أوشابتى مصنوعة من الفيانس والخشب والطين المحروق والحجر الجيرى، بعضهم يحمل اسم "باخنسو" و"عنخ خونسو"، كما نجحت البعثة كذلك فى الكشف عن حوالى 50 ختمًا جنائزيًا من بينها 40 ختمً تدل على وجود مقابر لأربعة أفراد لم تكتشف بعد فى المنطقة وهم الكاتب "ماعتى"، وشخص يدعى "بنجى"، وشخص يدعى "رورو" والوزير "بتاح مس"، كما عثرت البعثة أيضًا على عدد من الأوانى الفخارية، بالإضافة إلى تميمتين من الفيانس عليها مناظر تقدمه القرابين، ومسندى للرأس و7 أوستراكا من الفخار والحجر الجيرى، ونموذج لتابوت من الفخار عليه كتابات بالمداد الأسود.

وأما عن البئر المكتشف فى الفناء الخارجى فقال محمد بعبيش أحد أعضاء البعثة المصرية العاملة بالموقع أن التابوتين اللذين عثر عليهما داخله مصنوعين من الخشب الأرز وهما مستطيلى الشكل. يوجد داخل أحدهما مومياء لسيدة، أما الآخر فبه مومياوتان لطفلين، الأمر الذى يرجح أن هذا البئر بمثابة دفنة عائلية، كما تم العثور على مسند الرأس الخاص بالسيدة ومجموعة من الأوانى الفخارية.

 

5- ما هى تفاصيل اكتشاف مقبرة "أوسرحات" مستشار المدينة بالمنطقة؟

مقبرة "أوسرحات" تم إعلان اكتشافها فى مؤتمر صحفى عالمى فى 18 أبريل الماضى، وهى تعود لمستشار المدينة بالأسرة 18، وضمت مئات التماثيل الصغيرة من الطين المحروق وغير المحروق، وتوابيت بها مومياوات وأقنعة تعود لصاحب المقبرة مدهون عليها الألوان بصورة محفوظة منذ آلاف السنين، وفى واجهة المقبرة تم وضع مجموعة من "الفازات" وهى عبارة عن أدوات فخارية تزين المنازل والمقابر فى العصور الفرعونية القديمة، وكذلك تم وضع عدد من التماثيل الصغيرة من الطين المحروق وغير المحروق، والتى عثر على حوالى 1400 تمثالا منها، حيث إن تلك التماثيل الصغيرة يتم عملها بصورة تشمل أن يكون لكل متوفى ومدفون بالمقبرة 365 تمثال بعدد أيام السنة، ولكل 10 تماثيل يوجد تمثال قائد لهم، وكل تلك التماثيل لها قائد عام عبارة عن تمثال أكبر جزءاً بسيطاً، فبالتالى كل شخصية مدفونة يتم عمل لها حوالى 401 تمثال، ومكتوب خلف كل تمثال باللغة الهيروغليفية أو الهيراطيقية، وذلك بلغات قديمة مختلفة.

 

وفور دخول المقبرة على الجانب الأيمن توجد طاولة عليها مجموعة من الأقنعة والمساكات الفرعونية، كما توجد قدم بشكل مميز للغاية منقوش أسفلها نقوش فرعونية وهو من النوادر فى العصور الفرعونية النقش أسفل الأقدام، كما يوجد قطعة مكتوب عليها اسم صاحب المقبرة، وكذلك تماثيل صغيرة عليها بقايا قشرة من الذهب، فهو يدل على أن المدفون فيها مستشار كبير للمدينة، وقطعة من الكتان لصاحب المقبرة يقود الأبقار ويقوم بعمل أحد الطقوس الجنائزية، أما فى الغرفة الداخلية للمقبرة فيوجد بها 6 توابيت مختلفة الأحجام، والتى تم عمل لها المرحلة الأول ليتم نقلها بأمان للمراحل التالية، كما يجرى عمل فحوصات لتحديد نوع المومياء وعمرها بالكامل فور الوفاة، ويتواجد بجوارها "جرة" كبيرة بداخلها جزء من المواد المستخدمة فى التحنيط كملح النايترون وغيرها.

وعلى بعد خطوتين من التوابيت المتواجدة، وجد رجال الحفائر بالبعثة المصرية جزء من القطع البسيط محدد بأزميل فى الجبل، فقاموا بالحفر على عمق 7 أمتار بتلك المنطقة، وعثروا بداخلها على التماثيل الصغيرة المصنوعة من الطين المحروق وغير المحروق، وكذلك على يمين البئر توجد مقبرة جديدة، وعلى اليسار مقبرة آخرى لكهنة وقيادات آخرين بالمنطقة، وجارى العمل فيها لاكتشاف المزيد من السحر الفرعونى.

 

6- ما دور البعثة الأثرية المصرية فى اكتشاف مقابرة دراع أبوالنجا؟

البعثة الأثرية المصرية انطلقت فى العمل مجدداً بالأقصر بمباركة الدكتور خالد العنانى وزير الآثار الذى أطلق لها شارة العودة للعمل فى شهر نوفمبر بالعام الماضى، والتى ضمت فريق من رجال الآثار والمرممين والعمال يكون من حوالى 78 مصريًا من أقصى جنوب الصعيد.

وساعدت البعثة الأثرية المصرية فى اكتشاف آخر مقبرتين لـ"أوسرحات وأمنمحات" بمنطقة دراع أبو النجا، وجارى العمل على اكتشاف مقابر جديدة والإعلان عنها قريباً، وذلك بعد توقفها فى 14 فبراير عام 2012، أى ما لا يقل عن 5 سنوات ونصف من التوقف، والتى يساعد دورها فى دعم مقابر ومعابد الأقصر فى أكبر تنشيط للسياحة بمصر والأقصر.