كتب محمد أسعد

هل تعلم أن ما يُحرّم عليك كمسلم وأنت فى بلاد المسلمين وبين أهلك وذويك، قد يصبح حلالاً وأنت فى الغربة؟ الأمر ليس أضحوكة، لكنه حقيقة بعدما صدرت فتاوى عدة تجيز للمسلم أمورا محرمة عليه فى الأحوال العادية، خلال تواجده فى بلاد غير المسلمين.

كان آخر هذه الأمور الفتاوى التى أجازت للمرأة المسلمة التى تعيش فى بلاد غير إسلامى خلع الحجاب، إن كان يتصادم مع أعراف وتقاليد تلك الدول، وفى السطور التالية نستعرض أبرز الأمور التى لا يمكنك فعلها داخل وطنك، ولكن "الغربة" تمنحك رخصة لفعلها.

 

يجوز خلع الحجاب

الفتوى أطلقها أمين الفتوى ومدير إدارة الفروع الفقهية لدار الإفتاء، الدكتور محمد عبد السميع، وأكد فيها أنه يجوز للمرأة المسلمة التى تعيش فى بلاد غير إسلامية أن تخلع الحجاب، إن كان ذلك يتصادم مع أعراف وتقاليد تلك الدول، وربما يوقعها تحت طائلة الاضطهاد.

وأضاف "عبد السميع" فى تسجيل فيديو نشرته صفحة دار الإفتاء عبر موقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك"، أنه من الواجب على المسلمة الالتزام بالحجاب إن استطاعت، لكن إن كان يشق عليها هذا، كأن يكون هناك قانون يمنع لبسها الحجاب، فلا حرج فى أن تخلعه، متابعا: "قد تكون هناك أعراف وتقاليد تمنع اختلاط المرأة بالمجتمع، ولو ارتدت الحجاب سيضرها، فلذا لها مسوغ شرعى بعدم ارتدائه، وعليها إما أن تذهب للعيش فى مجتمع إسلامى، أو أن تعيش بعادات البلاد وتتخفف من التكليف، لحين يغير الله أحوال البلد، أو تستعيض عن الحجاب بشىء آخر كغطاء يستر شعرها دون أن يكون حجابا".

وسبق الدكتور محمد عبد السميع فى هذا الأمر الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، الذى أثار جدلا حول موضوع جواز خلع الحجاب فى غير بلاد المسلمين، فقد أجاب "جمعة" خلال درس دينى سابق، عن سؤال من سيدة قالت إنها تعمل فى حضانة أجنبية ويرفضون الحجاب، فأخلعه داخل الحضانة ويكون الحضور من السيدات والأطفال فهل يجوز؟

جاء رد الدكتور على جمعة بأن الاضطرار هنا يبيح المحظور، وأنه إذا "كنتِ تخلعين الحجاب داخل العمل ومن يعملن معكِ ليس بهم رجال، وترتدين الحجاب خارج العمل فلا حرج فى ذلك"، وإن المرأة التى تعمل فى بلاد غير المسلمين وتضطر لخلع الحجاب داخل العمل ثم ترتديه خارجه، ولم تجد إلا هذه الوظيفة، فلا حرج عليها، لأن الله سبحانه وتعالى قال فى كتابه الكريم "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" وقال تعالى أيضًا "لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا".

 

بيع الخمور ولحم الخنزير

فى سياق آخر، أفتى الدكتور على جمعة، أثناء توليه رئاسة دار الإفتاء المصرية، بأن بيع الخمور حلال، وكان "جمعة" قد قال هذه الفتوى المثيرة ردا على سؤال لصاحب مشروع سياحى فى دولة أوروبية، يضم مشروعه مطعما يقدم الخمور، فجاء رد المفتى السابق بأن الحنفية أباحوا كل العقود الفاسدة فى ديار غير المسلمين مع غير المسلمين، لكون هذه البلاد ليست محلا لقيام الإسلام فيها، واستدلوا فى إباحتهم بمناصبة "أبو بكر" للمشركين فى مكة، ومصارعة النبى (صلى الله عليه وسلم) مع ركانة فى مكة.

وفي أبريل 2016 قال الدكتور على جمعة، خلال لقائه المفتوح مع طلاب جامعة القاهرة، إن بيع الخمر فى بلاد غير المسلمين، مثل أمريكا، وإن كان البائع مسلما، أمر جائز، مشيرا إلى أن بعض الشباب كانوا فى حاجة لفتوى، لعمل بعض الأعمال الفاسدة حتى يستطيعوا استكمال حياتهم بالخارج.

وأعاد "جمعة" تأكيد فتواه فى إحدى حلقات برنامجه "والله أعلم" المذاع عبر قناةcbc ، إذ قال إن الرسول علمنا كيف نعيش فى بلد تكرهك وتكره الدين الإسلامى، موضحًا أن النبى محمد تعايش فى مكة وسط مجتمع يحاربه ويمنعه من إقامة شعائر دينه ويضيّق عليه، متابعا: "من يعيش فى بلاد غير المسلمين يجوز له العمل فى مطعم يبيع الخنزير والخمور" مؤكدًا أن "أبو حنيفة" قال إن كل العقود الفاسدة فى الديار التى تنكر الإسلام حلال كونها ليست محلا لإقامة الإسلام.

وسبق لمجلة "عقيدتى" أن نشرت ردا للدكتور على جمعة على سؤال سيدة، نصه كالتالى: "كنت مع زوجى فى دولة أوروبية، وعندى ولدان، وأنا الآن مطلقة منذ 6 سنوات، كان زوجى وأنا معه يعمل فى الممنوعات مثل باقى الدول الأوروبية، كبيع وشراء لحم الخنزير والخمر ومثل هذه الأشياء المحرمة.. أنا لم أكن واعية بالدين قدر الإمكان، وكلما تكلمت قال: هذا هو الموجود هنا والذى يمكن أن أعمل فيه هنا، فسكتّ وكان أولادى صغارا، ثم زادت بيننا المشاكل على كل شىء، وبعد ذلك طُلّقت ونزلت، وهو يرسل لأولاده نفقة، هو فى البداية كان يعمل عند غيره، أما الآن أصبح صاحب محل لبيع هذه الأشياء المحرمة.. فهل النفقة التي يرسلها حلال أم حرام؟".

وأجاب الدكتور على جمعة بأن الإمام "أبو حنيفة" يرى أن كل العقود الفاسدة حلال فى غير ديار المسلمين، وعلى ذلك فالذى فعله هذا الإنسان حلال من بيعه للحم الخنزير أو للخمر لغير المسلمين، لأن هذا هو نظامهم، وهم لا يدركون النظام الإسلامى ولا يسمعون به ولا يريدونه، ولذلك فإن العقود الفاسدة مباحة هناك.

وبحسب المفتى السابق، فإن الإمام أبو حنيفة استدل على ذلك بأدلة منها ربا العباس رضى الله عنه فى مكة، فالعباس أسلم يوم بدر وكان يمارس الربا فى مكة مع المشركين، لأنها ديار غير مسلمين فى ذلك الوقت، ولأن النظام العام لا يقبل الإسلام ولا يعتمده ولا يريده، فلما دخل النبى مكة وصارت دار إسلام بالفتح، قال: "ألا إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمى هذا، وأول ما أضع ربا العباس عمى"، إذن كان النبى ينشئ هذه العقود الفاسدة، ولكنه أباحها ولم يعترض على العباس من بدر إلى الفتح، ويستدل أبو حنيفة كذلك بحديث مصارعة ركانة لسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وكان هذا الرجل يصارع مصارعة رومانية، فجاء وقال: "يا محمد.. إذا كنت نبيا فاغلبنى".

الرأى السابق أيده الشيخ على فخر، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، قائلا إنه يجوز للمسلم أن يتعامل بالعقود الفاسدة مع غير المسلمين وفى بلادهم، مضيفا خلال برنامجه على قناة الناس، أنه يجوز للمسلم أن يبيع الخمر ولحم الخنزير فى بلاد غير المسلمين، وهذا ما ورد فى مذهب الإمام أبى حنيفة، مبنيا على أنه يجوز للمسلم أن يأخذ من مال غير المسلمين فى ديارهم برضاهم.