ADTECH;loc=300
كتب أحمد الجعفرى

 "الخواجة قتل المرأة وحرق الجرن"، كانت تلك الصيحة الأولى التى ارتفعت بها أصوات الأطفال وصرخات النساء، واشتعلت بعدها الأحداث فى قرية "دنشواى" بمحافظة المنوفية، بين الضباط الإنجليز والأهالى، فى النصف الأول من شهر يونيو من عام 1906، ولم تنته إلا بعدما صَدرت أحكاماً تعسفية ضد 36 فلاحاً مصرياً، وانتهت بإعدام 4 وجلد أثنى عشر، والأشغال الشاقة لباقى المتهمين فى القضية، والذين بلغ عددهم 20.

ابراج الحمام فى دنشواى
ابراج الحمام فى دنشواى

كانت الساعة قد قاربت الثانية بعد ظهر يوم الأربعاء 11 يونيو 1906، حينما وصل الميجور "بن كوفين" قائد أحدى كتائب الاحتلال الإنجليزى فى مصر، إلى قرية "دنشواى" القريبة من منوف، بصبحة 4 ضباط إنجليز، فى رحلة برية لصيد الحمام، وفقًا لصلاح عيسى فى كتابه "حكايات من دفتر الوطن"، وأخذوا  يتفحصون ميدان الصيد، إلى أن انقسموا إلى فريقين، أحداهما ظل يصطاد الحمام من بين أغصان الأشجار على جانبى الطريق الزراعى، والأخر ابتعد قليلاً حتى وصل إلى أجران القمح المتاخمة للطريق الزراعى.

 

بدأ الكابتن "فوستيك" والملازم "بورثر" من الفريق الثانى، إطلاق خرطوش بنادقهم نحو الحمام الذى استقر فوق جدران الجرن، فصاح فيهما أحد الفلاحين طالباً منهما الاصطياد بعيداً عن الجرن، لكنهما لم يأبها به أولم يفهما كلامه، وأطلقا 9 طلقات متتالية تجاه حمامتين تقفان على كوم قمح، فاشتعلت النيران فى الجرن، وصرخت زوجة الفلاح مولولة، تستغيث بالرجال لإطفاء النيران، فاحتشد جمع من الفلاحين يعنفون الضباط على ما فعلوه، وحاول بعضهم انتزاع البنادق منهما؛ فانطلقت دفعة أخرى من الخرطوش أصابت "أم محمد" زوجة الفلاح فسقطت على الأرض مغشيةً عليها.

أم محمد التى اشعلت الشرارة الأولى للأحداث
أم محمد التى اشعلت الشرارة الأولى للأحداث

ارتفعت أصوات النساء والأطفال يصرخون "الخواجة قتل أم محمد وحرق الجرن"، فاحتشدت أفواج من الفلاحين، فى الوقت الذى انضم فيه فريق الضباط الإنجليز الأول إلى زملائهم فى محاولة لحل الأزمة، ولكن الموقف أزداد تدهوراً حينما خرجت رصاصتين حيتان من بندقية أحد الضباط الإنجليز، أصابت وأحدة منهما شيخ الخفر، وأصيب أثنان آخران من الخفراء؛ فحاول بعض الضباط الإنجليز بقيادة الميجور "بن كوفين" حل الأمر ودياً، إلا أن الاهالى تمكنوا من التحفظ عليهم، حتى وصل ملاحظ نقطة الشهداء.

 

فيما نجح الكابتن "بول" والكابتن"بوستيك" فى الهرب وتوجها صوب الطريق الزراعى لطلب النجدة من الكتيبة، فهرول خلفهم بعض الفلاحين فى محاولة للقبض عليهما، إلا أنهم لم يتمكنوا من اللحاق بهما، وفى طريقهم سقط الكابتن "بول" مغشياً عليه أمام سوق قرية "سرسنا"، بينما قطع "بوستيك" مسافة 8 كيلومترات وقفز بترعة الباجورية وعبر إلى الضفة الأخرى، حيث كان يعسكر جنود كتيبته على مشارف قرية "كمشيش".

 

متهمى دنشواى فى طريقهم للمحكمة
متهمو دنشواى فى طريقهم للمحكمة

وقال الكاتب الراحل صلاح عيسى فى كتابه "حكايات من دفتر الوطن"، إنه لم يكن هناك جناة بالمعنى الدقيق للكلمة، فما حدث كان عبارة عن مشاجرة عادية انتهت بـرضوض بسيطة، أما الكابتن "بول" الضابط الإنجليزى فقد توفى فى السابعة من مساء اليوم نفسه، نتيجة إصابته باحتقان فى المخ من أثر ضربة الشمس التى تعرض لها بسبب مسيرته الطويلة تحت الشمس الحارقة، فضلاً عن ذلك لم يكن من السهل على الضباط الإنجليز التعرف على أحد ممن تشاجروا معهم بين زحام الفلاحين متشابهى الوجوه.

 

على الرغم من ذلك فقد كان رد الفعل البريطانى على تلك الأحداث قاسياً ومفتقراً لكافة أوجه العدالة، فقد قدم نحو 60 قروياً للمحاكمة بينهم 52 محبوسا و8 هاربين، وخلال الجلسات استمعت المحكمة إلى ردود الفلاحين على الاتهامات التى وجهت إليهم، فنفوا التهمة عن أنفسهم وبعضهم قال إنه لم يكن متواجداً فى القرية إبان الأحداث، وآخرين أكدوا على أنهم كانوا مرضى، فيما روى "محمد عبد النبى" الفلاح الذى أصيبت زوجته فى الأحداث، أنه حاول التحفظ على الضباط لتقديمهم للمحاكمة بعدما أصابوا زوجته بطلق خرطوش وحرقوا الجرن.

مشانق دنشواى
مشانق دنشواى

لم تستمر جلسات المحاكمة أكثر من 3 أيام استمعت خلالها المحكمة لأقوال الشهود من الضباط الذين نجوا من الحادثة، والمترجم الذى كان يصحبهم فضلاً عن السياس الذى أرسلوا لمصاحبتهم، وملاحظ نقطة شرطة الشهداء، وعامل التليفون بالنقطة، ورغم أن شهادة بعض الضباط أكدت على أن أحد القرويين المتهمين قد حماه وقدم له مياه الشرب؛ إلا أنه لم يلتفت لتلك الشهادات وغيرها، وكيفت القضية على أنها قتل عمد، وبعد الاستماع لمرافعة الدفاع، أصدرت المحكمة حكمها بالإعدام والجلد والأشغال الشقة المؤبدة.


ADTECH;loc=300