85ceb9424e.jpg

890fc336c7.jpgاضطر كثير من العمال اليمنيين إلى العودة لبلدهم بعد قرارات "السعودة"وفقدهم لعملهم في السعودية، وهو ما فاقم مأساة كثير من العائلات في ظل الوضع الكارثي باليمن. ماذا يقول هولاء عن ترحيلهم؟ DW عربية التقت بعض هؤلاء العمال.على متن حافلة نقل ركابا قادمين من منفذ الوديعة الحدودي مع السعودية، يصل المهاجر اليمني فهمي إلى العاصمة صنعاء بملامح المنكسر الذي تنتظره أسرة مكونة من ثمانية أفراد. فهمي (45 عاما) قضى 15 عاما من عمره مهاجرا، كان يعود خلالها إلى بلاده بين الحين والآخر محملاً بالهدايا. لكن عودته الأخيرة اضطرارية ونهائية، إذ فقد عمله ومصدر رزقه بعدما أُجبر على مغادرة السعودية بسبب قرارات توطين العمالة في العديد من المهن والتي تُعرف بـ"السعودة"، وتهدد مئات آلاف العمال اليمنيين في المملكة.

لدى وصوله إلى صنعاء، كان فهمي مثل أغلب العائدين على متن الحافلة نفسها، تبدو عليه ملامح الإعياء والانكسار والخوف من المجهول الذي ينتظره. ويوضح فهمي لـDW عربية، أنه عمل على مدى 15 عاماً بمجال الفواكه والخضار بإقامة نظامية، لكن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها السعودية لم تترك له خياراً آخر، سوى "العودة لبلادنا أو الهجرة إلى بلاد أخرى"، ويضيف "اخترنا العودة إلى اليمن، رغم الظروف القاسية والصعبة".

"اعتبارنا لاجئين على الأقل"

يرى فهمي، أن الرسوم الشهرية المفروضة على المغتربين (العمالة الأجنبية في السعودية) وإجراءات سعودة المهن، "تعني باختصار، ترحيلنا قسرياً". ويشير إلى أنه تعرف على الكثير من اليمنيين الذين أفنوا شبابهم في العمل وإعمار السعودية، وهم الآن مجبرون على مغادرتها بفعل القرارات الأخيرة، التي لم تترك مجالاً حتى لإكمال العام الدراسي لأطفال البعض منهم. ويتابع "إنها قرارات مجحفة ولا تراعي حق الجوار والإنسانية. بلادنا تتعرض لحرب وحصار وكان يمكن اعتبارنا لاجئين في السعودية إلى حين توقف الحرب على الأقل، واستعادة الأمن والاستقرار في اليمن".

وتشير التقديرات إلى أن عدد اليمنيين في السعودية يتراوح 1,5 مليون ومليوني مهاجر يمني، تعمل غالبيتهم في مهن بسيطة وفي المحال التجارية التي تستهدفها قرارات السعودة. وكانت السلطات السعودية، بدأت منذ عدة سنوات باتخاذ قرارات لحصر العمالة في العديد من المهن بين السعوديين، كالعمل في محال بيع الهواتف النقالة والمستلزمات النسائية ومحال بيع الذهب وأسواق الخضار. وآخر حزمة من قرارات السعودة في التي صدرت يناير/كانون الثاني الماضي، إذ شملت 12 مهنةً ونشاطاً منها البيع في محلات السيارات والدراجات النارية ومحلات الملابس والمستلزمات الرجالية ومحلات الأثاث المنزلي والمكتبي والأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومحلات الحلويات وغيرها.

كارثة للوضع الداخلي

ويقول الخبير الاقتصادي والأستاذ في جامعة صنعاء، الدكتور عدنان الصنوي، إنه عند تخيل "عودة المغتربين اليمنيين، والمتوقع أن يصل عدد المتضررين منهم بسبب القوانين الجديدة للمملكة إلى 500 ألف عامل، ستؤدي إلى تفاقم المعضلة وتمثل كارثة على الوضع الداخلي اليمني وبالذات في هذه الظروف القاسية. كما أنها ستنعكس سلبا على الاقتصاد الذي يعاني في الأصل من التدهور منذ عام 2011".

ويشير الصنوي في حديثه لـDW عربية، إلى أن نسبة الفقراء في البلاد وصلت أرقاماً مخيفة بنحو 90 بالمائة من سكان البلاد، في السنوات الأخيرة، ويرى أن "بقاء الحياة في حده الأدنى"، اعتمد على عاملين أساسيين، والأول هو المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الإغاثية، والعامل الآخر هو المهاجرون اليمنيون العاملون في الخارج ويمثلون في السعودية أعلى نسبة. وعلى افتراض أن كل يمني مهاجر يعيل أسرة بمتوسط سبعة أفراد، فإنه عند ترحيل 100 ألف عامل، على سبيل المثال، يعني "أن هناك رقماً إضافياً يصل إلى 700 ألف مواطن يمني يضافون الى رحلة المعاناة والمجاعة".

من الرسوم إلى السعودة

عبد الباقي (27 عاما) كان يقيم مع أسرته في السعودية، وصل هو أيضا مؤخراً إلى صنعاء مع والدته وخمسة من إخوته، ولايزال والده الذي كان يعمل في بيع الملابس الجاهزة منذ 10 سنوات، يقوم بتصفية بعض الحسابات في السعودية، ومن المقرر أن يلتحق بأسرته التي عادت للبلاد قريبا.

ويقول عبد الباقي لـ DW عربية "إقامتنا كانت نظامية ولم نكن مخالفين. كان والدي يفكر في عودتنا إلى اليمن، منذ صدور قرارات الرسوم الإضافية على أفراد الأسرة العام الماضي، والمتمثلة في رسوم تجديد الإقامة ورسوم التأمين الطبي والرسوم الدراسية للأولاد إضافة إلى رسوم المواصلات. وهذا العام صدرت قرارات توطين المهن، منها بيع الملابس التي كان والدي يعمل فيها".

ويقول مسؤول الرصد والتوثيق في منظمة "سام" الحقوقية اليمنية، توفيق الحميدي، لـDW عربي، إن "اليمنيين متواجدون في المملكة منذ زمن طويل بناء على اتفاقية الطائف لعام 1934، والتي من المفترض أن يكون لليمنيين بموجبها امتيازات استثنائية عن بقية الجنسيات، إلا أنه وللأسف الشديد السعودية أخذت من اتفاقية الطائف ما خدم مصالحها، ولم يحظَ المقيم اليمني بأي امتياز".

ويضيف الحميدي أنه "على العكس، اليمنيون عرضة للمضايقة والابتزاز للأسف الشديد، خاصة في ظل الظروف التي يمر بها اليمن، حيث من المفترض أن تتعامل السعودية بإنسانية مع المقيمين حتى يستقر اليمن"ويقول إن "الإجراءات الأخيرة أجبرت أسراً عاشت تقريبا كل حياتها في السعودية على تركها وحمّلتها عبئا ماليا كبيراً دون مراعاة للظروف التي يمر بها اليمن".

صفية مهدي – صنعاء
08ac47d817.jpg