علاقة الفن والثورة لا تنقطع؛ الفن يخلد لحظاتها العظيمة، يحكي بطولاتها، ويمجد أبطالها، يحتفي بانتصاراتها على القمع والقهر، يسرد انطلاقها وكيف أضحت حقيقة لا خيالًا. أيضًا هو شاهد على خيباتها وأحلامها التي لم تتحقق، وعن أساطيرها التي انهارات، كان محمد عباس المطرب الثوري الشاب أحد الذين شاركوا في صناعة فن ثوري يرفع الهمم، ويصف الصفوف ضد دولة الظلم، وبعد مرور سنوات أضحت تلك الأعمال الفنية دلائل على الحالة الرثة التي وصلت لها ثورة يناير من ضعف وهزيمة، حدث العكس تمامًا، مما كان يشدو به، وكأنه كان مطربًا للثورة المضادة لا الثورة نفسها.

الشباب لن يكل همه أن يستقل أو يبيد

شوارع هادئة إلا من صوت أقدامه، وهمسات أنفاسه، يلتفت في خوف عن يمينه ويساره، يشعر أن هناك من يتبعه، يبحث عنه بين الظلام، يكمل المسير والخوف، ينطلق صوبه هدفه الذي يأتي إليه كل يوم حتى لا يروع أهله قلقًا عليه، يصل مبتغاه، بخطوات مرتجفة يدخل من باب صغير إلى بيت بسيط، وأثاث مهترئ، يستعد للنوم بضعة ساعات، فجأةً يسمع صوتًا قادمًا، يفزع ويهرع من جلسته، ولكنه يتذكر سريعًا، أن رفيقًا له أخبره بأنه سيؤنس ليلته هذه، يستقبله بنبضات قلب متضاربة، وكلمات متداخلة، يفهم الآخر ما الذي أحدثه في صديقه؛ يعلم ذلك وجربه كثيرًا، يتسامران ويضحكان، ينظران لأمنيات الماضي القريب، وأحلام الحاضر الحزين، وسرعان ما يغلب البكاء الضحك فيصمتان، وينمان حتى ينتهي يومهم ويتكرر آخر في قصة لا تنتهي إلا بضيف ثالت غير مرحب به، وإن شئت الدقة ضيوف آخرون.

لا مش هيرجعنا خوف ولا هيشقوا الصفوف  

يحمل هاتفه، يتصفح حسابه على فيس بوك، فجأة ودون سابق إنذار تظهر أمامه صورة قديمة نشرها صديق، ينظر لها بتمعن شديد، وسعادة ممزوجة بحزن، وحنين للماضي، يدقق في تفاصيلها، ميدان كبير يسع الجميع، جموع تهتف: الشعب يريد إسقاط النظام، وستة متظاهرين «كان هو بينهم» يتراصون لالتقاط صورة تخلد توحدهم، تتغير ملامحه وهو يتذكر رفاق الميدان الذين فرقتهم السياسة بعد ذلك، كل منهم كان له رأي سياسي مختلف، وحدتهم الثورة، الآن أصبحوا أعداء؛ يكيلون التهم والشتائم لبعضهم البعض في كل مناسبة وبدون، يتخطى الصورة وهو يبكي الصفوف التي نجحوا في شقها.

أنا مش هفوت الأرض دي.. لو حتى ظالم أهلها.. ومعبي من نار ظلمها للضلمة نور

شمس ساطعة ترفض أن يتجرأ أحد على النظر إليها، رياح عاتية تزيد المشهد إثارة وضبابية، تتوقف على إثرها قافلة الفارين بدينهم ودنياهم، يتمتم الفتى ببعض الأدعية، يزيد قبضته على مصحفه الصغير، الذي اختاره رفيقًا له في رحلته الخطرة، يتوجه كليًا نحو ربه راجيًا تخطي تلك العوائق، تمضي الدقائق بصعوبة، كأنها تحالفت مع الشمس والرياح ضده، يمر أمامه شريط ذكرياته سريعًا، يرى القاضي الذي حكم عليه بالمؤبد في تهمة لا يعرف عنها شيء، وأمه حين علمت بالفاجعة وبكاءها الذي لم ينقطع، صديقه الذي ودعه فقط بالصمت، وتعاهدا على اللقاء يومًا ما إن يسر الله لهم ذلك، ينظر الفتى للأرض التي خلفها وراءه، يتعجب كيف تغير رأيه وقرر الفرار منها، ولكن تذكر كيف قست عليه بما لا يتحمله، يقطع ذكرياته صوت يعلن الاستعداد لتكملة الرحلة.

أهاجر وأسيبك لمين.. ولسه صبية ونيلك حزين؟

وحيدًا يجلس على شاطئ البسفور، يختطف بعض لحظات السعادة، يتأمل الأطفال، يشاهد الفرحة في أعينهم، العصافير تمرح فوقه، الشمس تعكس أشعتها على سطح الماء مكونة لوحة بديعة، صامتًا لا يتكلم ولا يتحرك، فقط يراقب المشهد في هدوء، يتخيل والدته بجانبه تحتضنه، ووالده يحكي له قصة قديمة، وأصدقاءه يدعونه لمباراة كرة قدم، في إحدى حواري القاهرة، يكمل معهم القصة الخيالية، وينهض، فلا يجد أحدًا، فقط الأطفال والعصافير، يتفحص محفظة نقوده، فقط 100 ليرة وما زال في الشهر بقية، يسرع لعمله، حتى لا يعاقبه مالك المطعم الذي يعمل به، يودع البسفور بلا حزن، فقد ودع النيل من قبل.

كثير من الأغاني الثورية تتعرض لهذا الموقف، عندما تصاب الثورة بالفشل، حتى وإن كان مؤقتًا، الفنان الحقيقي يقوم بدوره دون النظر لما ستؤول له الأمور في النهاية، الثائر في الميدان يفعل الأمر ذاته، لكن للحق ليست كل أغاني محمد عباس ينطبق عليها هذا الأمر، حيث غنى: مكتوب عليك يا ولد تفضل كما المطاريد.. روحك صحيح في البلد بس إنت لسه بعيد، نعم ذلك ما يعيشه كل ثائر والثورة نفسها، وفي النهاية حيا الله محمد عباس في أي بقعة بأرض الله الواسعة كان، وغدًا تنتصر الثورة.