4ffcbb8d48.jpg

692dea5afb.jpgأثار خبر "حذف أو تعويض" مادة الفلسفة بالتربية الإسلامية في امتحانات البكالوريا المهنية، جدلاً واسعاً في المغرب. ففي الوقت الذي حاولت الحكومة تطمين الرأي العام، رأى آخرون أن القرار "قتل" لحرية التفكير والنقد والتحليل."إنهم يخافون الفكر ومن الإنسان المفكر، لذلك يريدون خلق جيل لا يفكر بل يكتفي فقط بتقديس كل ما هو متوارث"، هكذا رد عبد الملك قلعي، 26 سنة من الناظور (الشمال الشرقي للمغرب)، عن ما أشيع بخصوص "استبدال الفلسفة بمادة التربية الإسلامية"، في تصريحه لـDWعربية. عبد الملك واحد من الشباب المغربي الذين استغربوا من هذا القرار، واعتبروه تشجيعاً على "الاجترار والانقياد الأعمى للآخرين". وفي هذا السياق، دونت الشابة حليمة عامر، 24 سنة (من الرباط): "لا مجال للاستغراب إن حُذفت مادة الفلسفة من المقررات الدراسية بأكملها… بما أنهم يذهبون بنا إلى الهاوية ويريدون إنتاج جيل من الضباع".

الجدل حول الموضوع فتح باب النقاش أمام قضايا مصيرية تخص الجيل القادم والتعليم في المغرب، كما رُبط الأمر بزيادة ظاهرة التطرف وسط الشباب المغربي.

امتحانات دون فلسفة

الموضوع الذي أشعل فتيل النقاش في المغرب حول تدريس الفلسفة وعدمه، يرجع إلى القرار الذي وقعه وزير الثقافة والاتصال، محمد الأعرج، خلال توليه مهام وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي بالنيابة. وصدر فيالجريدة الرسميةبتاريخ الثاني عشر من شهر فبراير/شباط 2018.

وتشير المادة المتضمنة للقرار إلى أن طلاب الثانوية العامة المسجلين بالسنة الأولى برسم الموسم الدراسي 2017-2018، سيجتازون اختبار مادة التربية الإسلامية ضمن مواد الامتحان الوطني الموحد برسم الموسم الدراسي 2018-2019، في حين سيجتاز طلاب الثانوية العامة بالسنة الثانية من سلك البكالوريا المهنية برسم الموسم الدراسي 2017-2018، اختبار مادة التربية الإسلامية ضمن مواد الامتحان الوطني برسم نفس الموسم.

بالإضافة إلى هذا، فالمصدر يشير إلى أن المترشحين المكررين بالسنة الثانية من سلك البكالوريا المهنية برسم الموسم الدراسي 2019-2020، سيجتازون اختبار مادة التربية الإسلامية ضمن مواد الامتحان الجهوي الموحد الخاص بالمترشحين الأحرار برسم نفس الموسم.

نفي رسمي

في ندوة صحفية عقب انعقاد المجلس الحكومي، نفى مصطفى الخلفيالوزير المغربي المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني والناطق الرسمي باسم الحكومة، يوم الخميس 22 فبراير/شباط2018، ما يشاع حول اتخاذ الحكومة قراراً يقضي بإلغاء مادتي الفلسفة والتربية الإسلامية من مقررات الباكالوريا.

وفي هذا الإطار، أكد الوزير المغربي على "أنه ابتداء من الموسم الدراسي الحالي، تقرر نقل إجراء الامتحانات النهائية في مادتي الفلسفة والتربية الإسلامية إلى السنة الأولى من البكالوريا، بدل السنة الثانية كما هو الشأن بالنسبة للمواد الأدبية".

كما صرح بأن "الأمر لا يتعلق بالإلغاء بل بإعادة ترتيب بعض المواد ضمن مسلك السنة الأولى من البكالوريا".

وفي تصريح لـDWعربية، قال حسن العيساتي، الخبير التربوي المغربي، أن الخبر "غير صحيح". كما رأى أن "النقاش مغلوطا" مادامت الفلسفة لا تدرس إلا في السنة الأولى من البكالوريا المهنية؛ إذ تقتضي هذه الشعبة تخريج طلبة مؤهلين لدخول سوق العمل، مع الحرص على تلقينهم مواد أساسية كالرياضيات واللغات إلى جانب الإسلاميات.

"استهداف أيديولوجي للمادة"

بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي بالمغرب عبروا عن استغرابهم بخصوص "حذف أو تعويض" مادة الفلسفة في المقررات الدراسية، واعتبروا القرار، كما الشأن بالنسبة لأساتذة الفلسفة، استهدافاً إيديولوجياً لمادتهم بعد تعويضها بمادة أخرى؛ التربية الإسلامية.

وفي هذا الصدد، أصدر المكتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة بياناً يوم الثلاثاء20 فبراير/ شباط 2018، يعبر فيه عن استغرابه بخصوص القرار المتخذ. وجاء في البيان أن القرار" تراجع غير مؤسس قانونياً وتربوياً عن مبدأ تعميم تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي التأهيلي"، كما اعتبر "القرار مجحفاً"، مطالباً الوزارة بتعديله وإصدار قانون ينص على تدريس مادة الفلسفة بجميع مستويات المسالك المهنية، وإدراجها ضمن مواد امتحانها الوطني الموحد.

وبالمناسبة دعا الكثير من الشباب الدولة للتراجع عن هذا القرار، في حالة اتخاذه الفعلي، حيث صرحت وصال إدبلا، 20 سنة لـDWعربية، قائلة: "ينبغي التراجع عن هذا القرار لأنه من الخطورة بمكان أن ننشئ جيلاً غير قادر على التفكير و التحليل والنقد".

لماذا الفلسفة بالذات؟

لم تتوقف منذ انتشار الخبر سيل التساؤلات عن السبب وراء "استهداف" الفلسفة دون غيرها. ففي نفس تدوينة الشابة حليمة عامر، نجدها تجيب عن السؤال: "لأنها تصون الفكر بسياج من الحصانة، والتحرر، والفاعلية، وترفض التسليم إلا بما يستحق القبول والموافقة، كما ترفض الأحكام المتسرعة، والأحكام السطحية". وتضيف مقرة بضرورة تدريس المادة: "ولأننا يمكن أن نُسهم عبر استخدامنا لهذه الأدوات المعرفية في إنتاج رؤى وأفكار تحدث نقلة نوعية في طرائق تفكيرنا وتحدث تغييراً إيجابياً في نظرتنا للعالم الذي نعيش فيه وما حوله".

المكتب الوطني للجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، أشار بدوره للقيمة التي تكتسيها الفلسفة. وقال إن "هذا في الوقت الذي تعمل فيه الأنظمة التربوية المتقدمة عالمياً على تعزيز حضور مادّة الفلسفة على مستوى الغلاف الزمني والمعامل، بل إنّ الكثير من البلدان المتقدّمة عمّمت المادّة لتشمل باقي الأسلاك التعليمية".

تدريس الفلسفة بين البلدان العربية والعالم

"تعليم الفلسفة للأطفال هو من بين أقوى الأدوات الموجودة في متناولنا، والتي تسمح لنا بتمكين أطفالنا من التصرّف بحرية ومسؤولية في عالم أكثر تعقيداً وترابطاً والتباساً". هكذا عبر رئيس إيرلندا، مايكل هيغينز، في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، عن اهتمام بلده بمادّة الفلسفة وبأهميّتها للأطفال في العالم بأسره.

في حين نجد أن الكثير من الدول العربية لا تدرس المنهج الفلسفي، كما الشأن بالنسبة للسعودية، وجيبوتي، والإمارات العربية المتحدة، والأردن، وليبيا، وعمان، والسودان. في حين يدرسها البعض في المرحلة الثانوية، كما الوضع في المغرب، والجزائر، والبحرين، والعراق، ومصر، والكويت، ولبنان، وموريتانيا، وقطر، وسوريا، وتونس، واليمن.

وفي هذا السياق، سخر بعض رواد مواقع التواصل الإجتماعي من الاتجاه الذي يسري المغرب نحوه، وقال إحدى المغردين في "تويتر": "بدلاً من حلل وناقش صارت كفّر وداعش". كما أدلت الطالبة الصحافية، آسية العمراني برأيها لـDW عربية، في نفس الاتجاه :"هناك تناقض بين التوجه الحداثي الذي تريد الدولة أن تسير عليه وبين قرارتها الأخيرة، التي يكون ضحيتها دائما هو التعليم". آسية ترى أن مادة التربية الإسلامية ضرورية للتربية على تعاليم الدين، ولكن حذف الفلسفة ستكون له تداعيات في أوساط الشباب. وأضافت: "إن لم يستفد الشباب من هذه المادة فكيف نضمن انفتاحهم العقلي والفكري، خاصة وأننا نلاحظ اليوم إقبال الكثير من الشباب على المنظمات المتطرفة؟".

مريم مرغيش
b1b9a3c10e.jpg