في محاولات لتقبل الحياة في مصر بالأوضاع الراهنة وجمع شتات القلب والنفس والروح، جاءت أغنية الفنان حمزة نمرة، أو كما أحب أن ألقبه بـ"صوت الجيل": داري يا قلبي لتهدم كل ما نحاول بناؤه في دقائق.

"داري" بالنسبة لكثير من أبناء جيلنا هي أغنية مرعبة، مرعبة ومؤلمة لأقصى حد وأبعد درجة.. سمعت منها أول دقيقة وأربعين ثانية فقط ولم أتكمن من إكمالها، أو بالأحرى أثقلت قلبي وروحي بالأوجاع التي أحاول جاهدة أن أتجاهلها، تذكرت معها حياة بغيضة نعيشها، وواقعاً مؤلماً نكرهه، مرَّ في ذهني شريط ذكريات سوداء مع صديقاتي.

تذكرت دارين والسهر والخروج، وأسماء والكلام بالساعات والضحك.. تذكرت هاجر والجدعنة والهزار.. تذكرت الشفاء وإيثار وشيماء وغيرهم الكثير والكثير.

تذكرت أسماء أول جرح وأول وداع وأول ما يُسمى بـ"حضن المطارات" الذي لا ندري متى وكيف يكون اللقاء بعده.
تذكرتها وتذكرت نفسي وبكائي على الرصيف بعد اطمئناني أنها فلتت من السجن ومن الرعب، لا أدري أكانت دموع فرح لنجاتها من جحيم مصر أم حزناً لفراقها.

تذكرت دارين رفيقة كل جميل، رفيقة الفرح والحزن والخوف والقلق، تذكرت رسالتها وهي تخبرني أنها قُبض عليها وفِي القسم وكلفتني أشق وأبغض مهمة في الحياة وهي إخبار أهلها أنها سجنت.

تذكرت حينما استيقظت على رسالة منها "يا سلسبيل أنا في الطيارة خلاص ومسافرة" بعد زفافي بسبعة أيام ولم تخبرني بسفرها وليتها أخبرتني.

تذكرت صديقتي وهي تسرق من وقتها أسبوعاً للنزول لمصر لحضور حفل زفافي بعد أن ضاقت بها الحياة في مصر.

تذكرت الأخرى وهي تدعوني لحفل ما قبل زفافها وسفرها وتجاهلي للدعوة حتى لا يفتح الجرح الذي لم يندمل أصلاً.

تذكرت تفاصيل وجه زوجي الذي ظهر عليه العمر والشعر الأبيض الذي ملأ رأسه بعد رؤيته لمشاهد الفض وحضورها وهو شاب عشريني.

تذكرت أخي الأكبر وما يعانيه من بعد الفض وعدم الحديث عنه وعدم السماح لأي شخص بالحكاية عنه، حتى أنه لم يمر على رابعة وشارع الطيران من وقتها وحتى هذه اللحظة.

كل هذا والله لا يكون إلا غيضاً من فيض مما نعيشه ونعايشه ونعانيه ونتألم منه.

الأغنية حكاية جيل كامل، جيل يمزح فيما بينه بكلمة "إحنا ماشيين بالعلاج"، وحقاً وصدقاً الجيل ماشي بالعلاج، علاج ضغط وعلاج سكر وعلاج مضادات للاكتئاب.

جيلنا جيل بائس، مقهور، موجوع، خائف، مشتت نفسياً وروحياً وحتى في الأرض.

جيلنا ليس جيلاً مرفهاً ولا غير مسؤول ولا متدلع كما نتهم.

الفنان حمزة نمرة بأعماله حكاية جيل كامل من أول الحلم وبدايات تحقيقه حتى نهاية التشرد والغربة والخوف.

ولكن عزاءنا أن الأنفاس ما دامت تدخل وتخرج فالأمل بالله لا ينقطع، وأملنا أن ينعم جيلنا بوطنٍ آمن نشم فيه نسيم الحرية، ويكون فيه لقاء أحبتنا سهلاً وممكناً في أي وقت أردنا، أملنا في الله أن يتحقق ذلك الحلم قبل أن نموت.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.