يعرف الموسيقيون جيدًا قيمة الصمت، فهو لا يُشير دائمًا إلى النقطة التي تنعدم فيها الأصوات؛ بل أيضًا يُشير إلى ولادة صوت جديد أو انتهاء صوت آخر، ويشير إلى السكتات الموسيقية التي يتم تدوينها في المدونة الموسيقية ويتم توظيفها بأشكال لا تُخل بالمقطوعة الموسيقية، كما لا تجعل المستمعين ينفصلون عن المقطوعة ثم يرجعون مرة أخرى. إن الصمت في المدونة الموسيقية يجب أن يتناغم مع الصوت، ويكون جزءًا من جماليات المقطوعة الموسيقية نفسها، ويصف «توماس كليفت» الصمت بـ«الطرق الفارغة» التي نقطعها لكي نصل إلى إحدى الغابات مثلًا، فكل طريق في حدّ ذاته يُعبّر عن الغابة التي نتجه إليها، فالطُرق الممهدة أو الطُرق المتعرجة تُعبر عن طبيعة تلك الغابات.

يبدو أن «كليفت» يركز اهتمامنا على معنى الصمت داخل الموسيقى، ويفترض أن الصمت تمهيد جمالي للصوت، وكما عبّرنا عن ذلك بمثال طُرق الغابات؛ فإن الصمت مدخل يجعلنا ونحن على أعتابه متأهبين ومنتبهين لسماع ما سيأتي بعده.

ولكن هل يمكن أن يكون الصمت لحنًا موسيقيًّا؟

اقرأ ايضًا: سماع الألوان.. هل يمكن أن نرسم الموسيقى؟!

سيمفونية «33’4» لجون كيج

«هناك أمران ليس من الضروري أن يعنيا شيئًا: الموسيقى والضحك، وهذا ما يضمن على كل حال متعتهم العميقة». إيمانويل كانط

في شتاء عام 1952 وداخل قاعة «مافريك» في نيويورك، وفي حضور العديد من الموسيقيين والملحنين مثل مورتي فيلدمان وإيرل براون، قام عازف البيانو «ديفيد تودور» بعزف مقطوعة بعنوان «33′4» لـ«جون كيج» لأول مرة، إنها المقطوعة الموسيقية الأكثر جدلًا في القرن العشرين. وهي عبارة عن صمت لمدة أربع دقائق و33 ثانية يجلس فيها تودور أمام البيانو ثم يقوم بإغلاق غطاء البيانو، وبعد مضي بعض الوقت يقوم بفتح غطاء البيانو مرة ثانية، ويُكرر تلك الحركات مرتين في صمت تام.

«ديفيد تودور» يعزف مقطوعة جون كيج.

لم يتلق الجمهور ذلك الصمت على أنه نوع من الفن، بل كان هناك استغراب واعتقاد أنها مزحة أو طقوس يقوم بها أحد العازفين قبل البدء في العزف، ولكن في الوقت ذاته؛ كان هناك بحث عن معنى لتلك المقطوعة خاصةً. إنها تنتمي إلى عالم «جون كيج» الخاص، الذي تتسم أعماله بالفوضى والعشوائية، واعتماده على أصوات في الطبيعة من حوله لكي يصنع عملًا موسيقيًّا.

يُشير بعض الكُتاب إلى أن مقطوعة 33’4 لـ«جون كيج» متأثرة بلوحات صديقه «روبرت راوشنبرغ» البيضاء، وهي لوحات بيضاء ضخمة لا يميزها أي شيء ولا يوجد بها سوى اللون الأبيض، وكان لتلك اللوحات صدى واسع، كما كان يُرمز إليها على أنها رمز للوحدة والاتحاد، وذلك بعد انتهاء معاناة الحرب العالمية الأولى والثانية، ولذلك كانت هناك تأويلات لمقطوعة «كيج» على أنها تهدف إلى الهدوء والسلام الذي جاء بعد انتهاء صخب الحروب، تمامًا مثل لوحات صديقه «راوشنبرغ».

هنا «روبرت راوشنبرغ» يتحدث عن لوحاته البيضاء:

جاءت فكرة المقطوعة الصامتة إلى «جون كيج» بعد زيارته غرفةً تم تصميمها في «جامعة هارفارد» لعمل اختبارات تتعلق بكيفية كتم الأصوات ومنع صدى الصوت، ويقول كيج في كتاب له بعنوان «الصمت» إنه عندما دخل إلى تلك الغرفة، سمع صوت نبضات قلبه بوضوح تام، وأحس أن تلك النبضات الطبيعية التي تصدر من جسمه تُمثل صوت نغمة موسيقية، كما يقول كيج إنه حاول في تلك المقطوعة أن يعطي لأذُن الجمهور خيالًا يسمح لهم أن يركزوا مع أصوات أنفاسهم أو همس أحدهم أو صوت قادم من الطبيعة، ويصنعوا موسيقاهم بأنفسهم بعيدًا عن نغمات الآلات الموسيقية التي تجبرهم على سماع أصوات لا حصر لها.

جون كيج يتحدث عن الصمت.

اقرأ أيضًا: منها سؤال «ما هي الموسيقى»؟ 7 أسئلة بسيطة لم يتمكن العلم من الإجابة عنها

أناركية الصمت

أصرّ «جون كيج» أن تكون موسيقاه مبنية على هياكل غير منتظمة، ولا تتبع تراتبية معينة ونغمات لها بداية ونهاية محددة، ربما كانت له فلسفة وراء تلك الأعمال، أو كما يرى الناقد الفني «ريتشارد كوستيلانيتز» أنه «أراد أن يُخلد أعماله عن طريق موسيقى غامضة ومثيرة للجدل». ولكن ما الذي يجعل أعمال كيج مميزة؟

يفترض «كوستيلانيتز» أن نظرة «كيج» للمجتمع الذي يجب أن يكون أناركيًا/ لاسلطويًا انعكست على رؤيته للفن بشكل راديكالي، إذ لم يهتم بمحتوى الموسيقى في أعماله على قدر الأدوات التي يتم استخدامها لإنتاج هذا الفن، ولذلك كان يسعى إلى وجود مساواة بين الجمهور والفنان، ولا يوجد تفضيل بينهم عن طريق معرفة الفنان بأدوات يجهلها الجمهور، وتلك المعرفة تُعطي للفنان سلطة على الجمهور في أن يختار ما يريد أن يجعلهم يشاهدونه ويستمعون إليه، فكان يستخدم أدوات بسيطة ومتاحة في أي منزل لعمل عرضه الموسيقي، ويستخدم البيانو فقط صوتًا ثانويًا يتم الاستعانة به ويصدر منه نغمة واحدة.

تلك الأعمال الأناركية أوجدت مساحة كبيرة للتأويلات التي تحاول أن تُحلل أعمال كيج وتجد معنى لها، وقد وصلت «راديكالية» أفكار كيج ذروتها بمقطوعة «33’4» الصامتة، والتي يعتبرها كيج من أهم أعماله على الإطلاق. وفي عام 1968 كتب كيج كتاب «تدوينات» وهو عبارة عن أعمال موسيقية تُرشد القارئ لبعض الموسيقى المعاصرة، وقام كيج بتجميع تلك الأعمال في الكتاب بدون ترتيب موسيقيّ مُعين، قام فقط بترتيب الأعمال بحسب أسماء الموسيقيين، وترك القُراء أمام ذلك الكتاب بدون أي كلمات استرشادية ولا شرح لأي عمل فني.

اقرأ أيضًا: العزف منفردًا.. موسيقيون عرب أظهروا أروع ما في الموسيقى

تعاليم بوذية في موسيقى «جون كيج»

«يجب أن يتبع الفنان إلهامه بشكل عفوي وتلقائي في حركته اليومية، فهو يجعل من ذراعه وأصابعه وجسده كله أدوات يستخدمها للتعبير عن إلهامه، وذلك التواصل بين إلهام الفنان وجسده يجعل الفرشاة تكتب على الورق بشكل تلقائي وإذا بدأ الفنان التفكير فيما يفعل سينقطع التواصل بين إلهامه وجسده وتفشل العملية».

كتاب «أساسيات زن البوذية» للكاتب «جي تي سوزوكي».

في التوضيح أعلاه، مفتاح فهم الرابط بين فن كيج وتعريف الفن، وماهية الفنان في تعاليم «زن البوذية».

تقلق تعاليم «زن» من الفنان نفسه وتدخله في العمل الفني الذي يُجريه، وتحاول تلك التعاليم أن تفصل بين ذات الفنان وإلهامه، فيجب أن لا يفكر في العمل الفني ولا يضع له تصورًا محددًا فقط يتبع إلهامه، وينثر العمل الفنان بشكل تلقائي بدون تفكير مسبق قبل أو أثناء صنع العمل الفني.

وذلك ما تعلمه «جون كيج» وتجلى في أعماله، لأنه رفض أن يكون هناك تفسير يقوم به الفنان في عمله الفني، وترك الصدفة والتلقائية أثناء أداء الموسيقى تُخرج ما بداخل الفنان، وتضعه كما هو أمام الجمهور الذي يُكسب ذلك العمل المعنى، وفي بعض الأحيان يقوم كيج أيضًا بصنع العمل الفني ويترك آخرين يقومون بعرضه على الجمهور كما حدث في مقطوعة «33’4» وجعل صديقه عازف البيانو «ديفيد تودور» يقدمها للجمهور، وكل ذلك من أجل فصل ذاته عن موسيقاه.

اعتقاد «زن» في الترابط بين كل الأشياء المحيطة بنا كان هو مصدر إلهام رئيس وراء رغبة «جون كيج» في دمج الفن بالحياة، ولذلك كان كيج يتضمن في أعماله أصواتًا من الحياة اليومية في عمله، كما اعتبر الفن والحياة شيئًا واحدًا. والوعي بوحدة الفن والحياة يمكن أن يؤدي إلى تغيير مواقف الفرد – كما ترى فلسفة «زن» – حتى يمكن إحياء اهتماماته وشعوره تجاه ما يراه حوله في الحياة من خلال الفن، ويمكننا أيضًا أن نُخلد حياتنا ونكتب مذكراتنا اليومية عن طريق أعمال فنية.

اقرأ أيضًا: تعرف إلى القوانين البوذية الأكثر عنصرية