لا أحد يستطيع التشكيك في مدى انتشار وشعبية المسلسل التركي "قيامة أرطغرل" الذي جذب الملايين عبر شاشات الفضائيات ومواقع التواصل إلى مشاهدته بل وتحليل مشاهده وتدبّر الدروس المستفادة منها.

وفيما يلي بعض الخواطر حول الحلقة 100 من المسلسل:

1- الملاحَظ في سَير الأحداث منذ بدايتها حتى اللحظة أن أوقات الشدة أكثر من أوقات الرخاء، وأن ساعات المعاناة والتعب أكثر كثيراً من لحظات الراحة والدعة، ولا عجب في ذلك، فهكذا حياة القادة والمصلحين، فأكثر الناس بلاء هم أخيرهم، وإن من أهم الصفات الملازمة لطالبي النفوذ إلى الله والدار والآخرة بل وإلى كل علم وقيادة، كما يقول ابن القيم، أن يكون "شعارهم الصبر وراحتهم التعب".

2- موقف محاسبة أرطغرل للمحاربين الذين قصّروا في حماية ابنه وعلى رأسهم سامسا، فيه الكثير من الدروس المستفادة ومنها:

أ‌- التأكيد على مبدأ أن لا أحد فوق المحاسبة، فقد حاسب أرطغرل محاربيه رغم ما لهم من سبق.

ب‌- التأكيد على فكرة أن العقوبة ليست بدافع شخصي وإنما إعلاء للمصلحة العامة، فقد كان ذلك واضحاً حين صفع أرطغرل محاربه سامسا ثم قال له: "هذه الصفعة ليست لأجل ابني وإنما لتقصيركم في تنفيذ أوامري"، فإن خطف ابن القائد يفتح الطريق أمام خطف أطفال آخرين بما يمثله ذلك من تهديد مباشر للقبيلة وإضعاف من هيبتها، ولعل هذا ما جعل سامسا يستقبل الموقف بتجرّد دون أن يوغَرَ صدره، وذلك لثقته في أمانة القائد وتجرده وإخلاصه.

ت‌- التأكيد على فكرة أن مخالفة أمر القائد تؤدي حتماً للهزيمة، فلا يوجد تكتل بشري بلا قيادة، ولا قيادة بلا طاعة، فحينما غفل المحاربون للحظات عن أوامر القائد، حدثت عملية الخطف وتعطل الفتح.

ث‌- أمرَ أرطغرل بمعاقبة المحاربين المقصرين بأن تُسحَب سيوفهم، وهو عقاب معنوي هدفه التربية والإصلاح، فإن أشق أمر على نفس المحارب أن يُجرَّد من سلاحه، كما حرص القائد في ذات الموقف على توصيل المفهوم التربوي، في تأكيد على أن الهدف من العقوبة ليس الإيذاء بل التربية.

3- "عندما يأمن العدو ويرتاح، تقل احتياطاته وتخف احترازاته" قالها أرطغرل لرفاقه، وقد صدق، فإن لحظة الغفلة التي تنتاب الجيوش والمؤسسات، هي ذاتها الثغرة التي يؤتَوْنَ من قِبَلِها.

4- لا تزال الأحداث تثبت دور القوة في نهضة الأمم وحمايتها وصد عدوان خصومها، كما تبرز كذلك دور قوات الصفوة (الكوماندوز) في حسم المعارك، وهو ما بدا من خلال دور آتسيز الذي تمكن من تقمص شخصية التاجر بيكو، مما مكنه من دخول القلعة والتعرف إلى أريس والتقرب من ماريا وأخيراً معرفة مكان غوندوز، ومن ثم إرجاعه ثانيةً إلى أبيه.

5- حنكة القائد بدت من جديد حين استقصى خبر خطف ابنه، وقام بتشبيك الخيوط ببعضها؛ ليستنتج في النهاية طريقة الخطف وشخصية الخاطف وملابسات عملية الخطف ودوافعها.

6- صفة الثبات الانفعالي التي يتميز بها أرطغرل تظهر في كثير من المواقف ومن أبرزها حين عزم على زيارة القلعة والتظاهر بطلب مساعدة أريس بشأن العثور على غوندوز، رغم يقينه بأنه يتعامل مع خاطف ابنه وقاتل رفاقه، فالمصلحة العامة تقتضي ذلك.

7- أخبر بامسي رجل العمليات الخاصة "آتسيز" بمعلومة في ظاهرها أنها بسيطة (ماريا هي جارية سيمكو وأن لها قصة مؤلمة مع القوم)، إلا أن تلك المعلومة كان لها بالغ الأثر في حسم المعركة وقلب الطاولة، فلا يجب أن يستهين القادة بأي معلومة مهما صغرت فقد تكون لها الكلمة الفصل في حسم الأمور.

8- قلِقَ أرطغرل كثيراً لخطف ابنه (وتلك طبيعة الأب)، إلا أن قلقه كان أكبر بخصوص من أخبر أريس بنيتهم فتح القلعة، وهل يعني ذلك أن بينهم خونة وعملاء، وتلك طبيعة القائد الناجح الذي تشغله المصلحة العامة للرعية عن همومه الشخصية وإن عظمت.

9- اغتاظ أريس بشدة؛ لأنه فقد إحدى عينيه، إلا أنه تماسك لاحقاً وتراجع عن نيته فقع عين غوندوز، فقد كظم غيظه إعلاءً للمصلحة العامة ونصرةً لقضيته رغم آلامه، وتلك حال القادة المؤثرين.

10- استاء بامسي كثيراً بسبب اضطراره لحلق لحيته كي يتنكر ومن ثم يتمكن من دخول القلعة، وسبب استيائه هو خشيته من انتقاد الناس لمظهره الجديد، لكن القائد الذكي هوَّن عليه الأمر وأعطاه درساً في وضوح الغاية والإخلاص في سبيلها، حين قال له: "إننا نؤدي واجبنا تجاه ما نؤمن به، دون أن نلتفت إلى ما يقوله الآخرون عنا، وإن الغاية الكبرى لتستحق تقديم بعض التنازلات في سبيل تحقيقها".

ملاحظة:-
أخطأ القائد حين تحدث عن خطة الفتح أمام ابنه الطفل الصغير، وهو ما دفع ثمنه لاحقا، فإن الحيطة تقتضي إخفاء الأمر واتخاذ أقصى التدابير، كما أخطأ ثانيةً حين تحدث مع أمه وزوجته عن وجود عيون له داخل القلعة وأسهب في ذلك، فإن علمهما بذلك يضر ولا ينفع، بينما لا يضيرهما أبداً أن يجهلا تلك الأمور، وقد تكرر ذلك أيضاً حين تحدث عن خطته بالتفصيل أمام التاجر بيكو الذي سيتقمص آتسيز دوره، وقد كان فى مقدوره أن يُعمّي عليه الأمر، وخصوصاً أن لا أحد يعلم على وجه اليقين ما الذي تخفيه الأيام.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.