ظهرت إسرائيل بقوة في المشهد الثقافي المصري هذا الأسبوع عبر واقعتين: الأولى هي محاولة عرض فيلم في قصر ثقافة بني سويف بصعيد مصر، والثانية عرض كتاب إسرائيلي مترجم في معرض القاهرة للكتاب، فكيف استقبلت مصر الواقعتين؟

الواقعة الأولى لمشاركة إسرائيل في معرض الكتاب كانت في أيام رئاسة الشاعر صلاح عبدالصبور للهيئة العامة للكتاب منتصف الثمانينات، والتي قوبلت برفض مصري تام، وتسببت في هجوم حاد على عبدالصبور آنذاك، ومنذ هذا الوقت لم تشارك إسرائيل في المعرض أو في مهرجان السينما، رغم إلحاحها الدائم على المشاركة بداعي وجود علاقات طبيعية على المستوى السياسي بين البلدين.

فيلم قديم

القصة بدأت عندما عبّر المخرج الإسرائيلي "عران كوليرين" على فيسبوك عن أمنيته حضور عرض فيلمه "زيارة الفرقة الموسيقية" بمصر، بعد الإعلان عن عرض الفيلم بقصر ثقافة بني سويف، وكان من المفترض عرض الفيلم الأحد 24 يناير/كانون الثاني 2016.

الغريب أن الفيلم ليس جديداً، بل سبق أن مُنع عرضه بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في 2007، ما اضطر مخرج العمل إلى عرضه بأحد الفنادق في القاهرة.

بعض المواقع الإخبارية تداول تعليق المخرج الإسرائيلي، الذي أثار جدلاً واسعاً في مصر، واتهامات لهيئة قصور الثقافة بالتطبيع مع إسرائيل، الذي لا يزال في عُرف منظمات المجتمع المدني مرفوضاً، ويعرّض مَن يقوم به لعقاب نقابي، كما في حالة نقابة الصحفيين مثلاً.

ويبدو أن الجدل وصل إلى مسؤولي هيئة قصور الثقافة التابعة لوزارة الثقافة المصرية، فقرر رئيس إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، محمد منير، وقف عرض الفيلم.

ورفض مسؤولون في قصور الثقافة التعليق على الواقعة وقالوا في بيان صحفي إنه جارٍ التحقيق لمعرفة ملابسات محاولة عرض الفيلم القديم في مصر مرة أخرى.

ويتناول الفيلم الناطق بالعامية المصرية طبيعة العلاقات بين المجتمع الإسرائيلي والمصري، من خلال سرد أحداث يوم واحد جاءت فيه فرقة موسيقى الشرطة المصرية إلى إسرائيل وفقدت الطريق، وصار لزامًا عليها الاختلاط مع المجتمع الإسرائيلي، ومواجهة كل الصور النمطية التي تحكم سلوك الجانب المصري تجاه إسرائيل، بحسب الفيلم.

كتاب إسرائيلي بمعرض الكتاب

بدأ الحديث عن هذا الكتاب بعدما نشرت الصحيفة الإسرائيلية "يديعوت أحرونوت" خبراً تؤكد فيه صدور الترجمة العربية لكتاب "ألف ليلة دوت كوم" للصحفي الإسرائيلي "جاكي حوجي"، المتخصص في الشؤون العربية بإذاعة الجيش الإسرائيلي، والذي ترجمه المترجم المصري عمرو زكريا، الباحث في الشؤون الإسرائيلية، ويتناول الحياة في الوطن العربي متوجهاً بحديثه إلى المجتمع الإسرائيلي.

وأضافت الصحيفة الإسرائيلية في ثنايا تقريرها أن "عرض الكتاب للمرة الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد خطوة جريئة من المترجم المصري، الذي يتحدث العبرية بطلاقة تدهش الجميع".

وأضافت الصحيفة أن حوجي وزكريا تربطهما صداقة قوية "عابرة للحدود" عمرها يصل لنحو 15 عاماً، وأن الصداقة تطورت لتصبح صداقة عائلية بين الأسرتين وأولادهما.

المترجم

هو عمرو زكريا من مواليد عام 1971 بمحافظة الجيزة، التحق بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغات الشرقية عام 1989، والتحق بالشعبة السامية وبدأ مشواره مع اللغة العبرية، وأنهى السنة التمهيدية للماجستير في عام 1994، وحصل عام 2001 على دبلوم إدارة الأعمال من الجامعة الأميركية في القاهرة.

تركزت معظم اهتماماته في الترجمة بالموضوعات الدينية، وأول نشاط في الكتابة له كان المشاركة في كتاب بعنوان "الآثار اليهودية في مصر"، الذي يتناول الأماكن الدينية والأثرية لليهود بمصر.

وله كُتب أخرى مثل: "من كتب التوراة؟"، و"الأعياد اليهودية"، وكتاب "اليسار المصري والصراع العربي الاسرائيلي" الذي يتناول موقف اليسار المصري من قضية الصراع العربي الاسرائيلي منذ بدايته حتى عام 1978.

إضافة إلى كتاب "أسرار التطبيع بين مصر وإسرائيل" عن تطبيع العلاقات المصرية الإسرائيلية، وهو من تأليف السفير دافيد سلطان، المصري الأصل الذي شغل منصب سفير إسرائيل في القاهرة بين 1992-1996، ويتناول أسرار وخفايا التطبيع في العلاقات بين الدولتين حتى عام 2007، وكيف أن مصر استخدمت التطبيع كسلاح للضغط على إسرائيل للتقدم في العملية السلمية.

ضد التطبيع ولكن مع المعرفة

الروائي المصري المعروف محمد المنسي قنديل، رئيس تحرير مجلة "إبداع"، قال معلقاً على واقعتي الفيلم والكتاب: "التطبيع كلمة كبيرة، لاحظ أننا نتحدث عن كتاب، فلا يمكن أن نسمي ذلك تطبيعاً. ربما نستطيع أن نتقبل هذا الكتاب من منطلق فكرة (اعرف عدوك)، فالإسرائيليون يقومون بتحليلنا ويصلون إلى كل شيء نقوم به ويشغل بالنا؛ لذا يجب أن نقوم بترجمة أعمالهم لمعرفة كيفية تفكيرهم أيضاً، وبالطبع أنا ضد التطبيع ولكني مع المعرفة".

ويرى د. زين عبدالهادي، رئيس دار الكتب والوثائق القومية المصرية الأسبق، أن "هناك فرقاً بين مقاطعة المنتج الإسرائيلي والفكر الإسرائيلي، فالإسرائيليون يضعون المجتمع المصري في غرفة العمليات ويقومون بتشريحنا، ويترجمون جميع كتبنا المنشورة تقريباً".

ويضيف: "أرى أنه يجب أن نعرف كيف يفكّر عدونا، ولا أتحمس لفكرة المقاطعة، بينما يجب أن نقرأ هذا الكتاب ونقوم بالتعديل عليه إذا لزم الأمر وأرد عليهم بأعمال مشابهة".

وأكد "لا أدعو إلى إقامة علاقات مع إسرائيل، لكنني أريد أن أعرف كيف يفكر عدونا على الجانب الآخر".

وبالنسبة للفيلم الذي مُنع من العرض في مصر، قال الكاتب والمؤرخ والناقد محمود قاسم: "من الجيد أنه تم منعه؛ لأن السينما بطبيعة الحال تكشف جانباً إنسانياً لدى الشعوب، وسيقول لك من خلال الفيلم إن الإسرائيليين لديهم جانب جيد وطيب. إذن أصبح لعدونا "وجه" نراه وربما يقبله البعض، ويجب أن يكون عدونا بلا وجه؛ لأنه يحتل أراضي عربية ولدينا معه خصومة شديدة منذ عام 1948 ولا نريد أن نتعاطف معه".