لدى الإيطاليين مفهوم يعني «حلاوة ألا تفعل شيئًا»، وقد جاء هذا المفهوم في فيلم «طعام، صلاة، حب» والذي كتبته إليزابيث جيلبيرت ومثلته للسينما جوليا روبرتس، وهناك طبع للعرب لا يعرفه كثير من الغرب، وهو أنهم بمجرد الوصول إلى المنزل بعد ساعات من العمل الشاق يستلقون من أجل قيلولة قصيرة، ثم الذهاب إلى مقهى قريب لمقابلة الأصدقاء دون موضوع محدد لنقاشه أو مشكلة يسعون إلى حلها، بعيدًا عن فكرة حبهم لزوجاتهم وأبنائهم، فهذا طقس لا يمكنهم تغييره.

هل حقًّا أنا أرغب في العمل كل يوم؟

فكرة أن تفعل «لا شيء» هي شيء في حد ذاته، تساوي معنى أن تكف عن الدوران في دائرة مغلقة من الاستيقاظ مبكرًا، وتجهيز الأطفال للمدرسة، والذهاب إلى العمل، ثم العودة منه، والمرور على مدرسة الأطفال، وتجهيز الغداء، والمذاكرة للأولاد، وتجهيز العشاء، والبقاء مع الأطفال حتى موعد النوم، والنوم على السرير حتى تمر سويعات ونستيقظ مبكرًا من جديد. هذا الروتين قاتل لأفعالنا، فما نفعله كل يوم سيكون تحت ضغط الالتزامات وليس ضغط رغباتنا، فيجب أن أعمل كذا وكذا دون أن أفكر في: هل أنا حقًّا أرغب في ذلك؟

Embed from Getty Images

القيام بـ«اللاشيء» سيساعدك على تخفيف وطأة دقات الساعة عليك، والحد من التوتر الملازم لنا، وهو دليل عملي على الراحة والاسترخاء، ويبشر بعالم «نكون» فيه أكثر من أن «نفعل»، والإذن للاحتفاء بالكسل، وبهجة التنفس والتأمل، والاستحمام والاستماع، والاسترخاء والزفير، وشم رائحة الورد دون شعور بالذنب، حتى تصبح مسرورًا بما اكتشفته، ويحمل لك «اللاشيء» كثيرًا من الأشياء المهمة في طيّاته.

تحدث هنري ديفيد ثورو الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي في مذكراته عن عمل لا شيء؛ فقال: «عندما أخرج من منزلي للترجل، لا أعرف بالضبط إلى أين ستأخذني خطواتي، وأترك نفسي لطبيعتي وفطرتي ليقررا بدلًا عني، تكون قراراتهما غريبة، غريبة جدًا، واستقر غالبًا في الجنوب الغربي، عند بعض الأخشاب والمروج المهجورة وهذا التل».

كيف على اللاشيء أن يغير حياتنا؟

كيف يقنعنا اللاشيء أنه أفضل من استغلال وقت فراغنا في أعمال نراها مهمة، مثل التحقق من البريد الإلكتروني، أو تنظيف أطباق الغداء، أو دفع الفواتير المتأخرة؟ إن مفاهيمنا عن العمل ودليل الشخص الناجح أمام نفسه وأمام الآخرين هو الذي حثنا على القيام بذلك، وكأننا بمجرد البلوغ نبدأ في صعود درج لا ينتهي أبدًا.

Embed from Getty Images

هذا النوع من الاسترخاء الذي نتوق جميعًا له، هو بالنسبة للغالبية من العاملين زهرة نادرة تنمو في قارة أخرى، من أجل الحصول عليها والاستمتاع بها علينا بذل بعض الجهد، فاللاشيء يتضمن البعد عن الفيسبوك ونشرات الأخبار وأصوات الجيران العالية، واستدعاء مشاعرنا الحقيقية، واستدعاء الأنا، الذات، والأنانية.

الطبيب النفسي السريري، ومعالج العلاقات الزوجية في كاليفورنيا، دكتور كولين لونغ كتبت في كتاب ألفته بعنوان «التوازن في السعادة.. ما الذي نعرفه الآن عن السعادة»: «ماذا لو استبدلنا تصفح الفيسبوك والبريد الإلكتروني بالجري في الحديقة وألعاب الفيديو؟ ماذا لو استيقظنا لا نعرف إذا كان اليوم هو السبت أم الأحد؟ ماذا لو استيقظنا نحدق في النافذة ونستمع لموسيقى نحبها وتأملنا الشروق ونحن نشرب قهوتنا؟»

كيف أفعل هذا الـ«لا شيء»؟

قضاء وقت فراغك لا يعني كونك كسولًا، ولكن يعني المتعة التي تأتينا من الخمول، المتعة الصافية، تذوق كل حركة منفردة، وجعل هذا الوقت جزءًا من كل يوم، فبدلًا من قضاء وقت فراغك في البحث على «نيتفليكس» وكتابة قائمة المشتريات، أو جمع ما صُرف طوال الأسبوع، ماذا لو لم تفعل شيئًا على الإطلاق؟

Embed from Getty Images

في البداية ستشعر أنك تفعل «لا شيء» مفيدًا، ثم بمجرد انخراطك في عملك ثانية، ستشتاق إلى العطلة الماضية، والاسترخاء، وخلع الهم من على الأكتاف، والتحديق في الغيوم، حتى تتمنى إضافة مثل هذه اللحظات لكل يوم في الأسبوع، لحظات تفعل فيها الـ«لا شيء»، وستلاحظ انخفاض مستوى الإجهاد، وستنظر إلى العالم بشكل مختلف، وستقدر الأشياء البسيطة في الحياة، كيف؟ هذه بعض خطوات يمكن أن تجعل منها عادتك:

1- اقطع الاتصالات

يعلو الدوبامين مع كل خبر جديد نقرأه على الهاتف، وتأخذ تعليقات الآخرين وحياتهم جزءًا كبيرًا من وقتنا وتفكيرنا، فيسبوك، إنستجرام، تويتر، فيستنزف الإنترنت طاقتك وساعات فراغك، بل عملك أيضًا، حتى أصبحت وسائل التواصل الاجتماعية مضيعة للوقت، ولا تتوافق مع حكمتنا «حلاوة ألا تفعل شيئًا». إذا كنت من رواد تطبيقات الهاتف التي لا تُحصى، سيبدو لك التخلي عنها ليوم كامل وكأنه مهمة مستحيلة، لذا عليك البدء بأوقات قصيرة في البداية، وتعيد المنبه القديم إلى جوار سريرك، وأغلق هاتفك وضعه خارج غرفة نومك، حتى تستيقظ وتتناول قهوتك في الشرفة، دون أن تتصفح رسائلك.

2- تخلص من شعورك بالذنب

نحن نعيش في عالم مكدس برجال الأعمال وصغار الموظفين ومستهلكين لا يبرحون أسرتهم، ومن عاداتنا البشرية أن نقيس نجاحنا أو فشلنا على ما قام به الآخرون؛ لذا علينا التخلص من هذه العادة، وأنت تضع قائمة «ما يجب علي فعله»، حاول تخصيص بعض اللحظات كي لا تفعل فيها شيئًا على الإطلاق.

3- أغلق شاشة التليفزيون

توقف عن مشاهدة التليفزيون، فهو مصمم لإجهاد عقول البشر وهم على أرائكهم، ويأكل ساعات من وقتنا، لذا حاول أن تتخلى عن مشاهدة التلفزيون لساعة، واستبدلها بالمشي في أقرب حديقة، وتأمل الطبيعة الخضراء.

4- قدّس يوم الإجازة

حافظ على وجود يوم لإجازتك كل أسبوع، سواء كان الجمعة أم السبت أم الأحد، فوجود يوم الإجازة ليس رفاهية، ولكنه فكرة مهمة عمليًا. حاول الحفاظ على يوم بالأسبوع أو بالشهر لا تقم فيه بأعمال منزلية، ولا تفتح بريدك الإلكتروني الخاص بالعمل، وابق في منزلك، وتمتع بالجلوس وسط عائلتك، والنقاش معهم.

5- أنت فنان

ابحث عن الفنان الداخلي فيك، ارسم لوحة، أو اكتب قصيدة، أو تدرب على آلة موسيقية كنت تود تعلمها منذ سنوات، تعلم وصفة طبخ جديدة ونفذها، ابدأ بزراعة حديقتك، تأكد من أن هناك فنانًا بداخلك، فكلنا مررنا بمرحلة المراهقة وحاولنا فيها كثيرًا تعلم مهارات مختلفة بدأب، ولكن المسؤوليات والعمل أخذونا من الفنان الذي كان يحاول الظهور.

6- هل تهمك صحتك؟

إذا كنت تعتبر أن  القيلولة ووقت الفراغ فقط للأطفال والأشخاص عديمي المسؤولية فأعد النظر في رأيك، فقد أظهرت الأبحاث أن الغفوة اليومية يمكنها تقليل خطر الإصابة بأزمة قلبية، وخفض مستويات التوتر. والغفوة اليومية لا تؤخذ في العمل أبدًا، ويمكن أخذها خارج المنزل، فإذا ذهبت إلى حديقة قريبة من منزلك واستندت إلى شجرة، وأغمضت عينيك، وأنت تستمع إلى زقزقة الطيور، وتشم رائحة العشب حولك، فلا شيء يمكن أن يكون أفضل من ذلك.

7- نحن لم نُخلق للأعمال المنزلية

يمكنك تخطي بعض الأعمال المنزلية، يمكنك حقًا، فلا شيء يجبرك على غسل الأطباق، وتجفيف الأكواب، ومسح الأرضية. تناول عشاءك واجلس بالشرفة، حدق بالنجوم، تذوق قطع الحلوى، خذ استراحتك من العالم، توقف عن أداء مهامك واعلم أن الأرض لن تتوقف عن دورانها.

الخلق يخرج من العدم.. فلماذا تخاف؟

هل تعلم أن قدرتك على القيام بـ «اللاشيء» يمكن أن تطور لديك القدرة على حل المشاكل، وتنمية قدراتك الإبداعية، وتشير الأبحاث إلى أن كل هذه الصفات ينميها تركك أفكارك تتجول بشكل عشوائي. وباختصار، عندما يحصل الدماغ على وقت للتفكير بذاتية، تتحسن نوعية حياتك تلقائيًا.

Embed from Getty Images

هذا الكلام لا يقتصر على ثقافات معينة، فالجميع يبتعد عندما يدرك عيوب ركضه في حلقة مفرغة من نشاط مكرر، نشاط يستنزف القوى دون مقابل ذي جدوى، إلى حد يمنعنا من الاختلاط ثانية بسهولة مع البشر العاديين. فيقول الكاتب الهندي مانجيري برابهو: «إن فعل لا شيء هو في الواقع أكثر إنتاجية مما يتخيل الناس، وبالنسبة لي ففعل اللاشيء يشتمل عندي المشي لمسافات طويلة، والتواصل مع الطبيعة، ومشاهدة الأفلام، والاستماع إلى الموسيقى، والدردشة مع الأصدقاء، واللعب مع الكلاب؛ فكل هذه الأشياء تغذي نفسي».

تقول جاسمين والدمان، وهي مدربة حياة -لايف كوتش- إن: «الناس يخجلون هذه التجربة ببساطة لأنها مخيفة، فأنت تواجه نفسك في الحقيقة، فالأمر لا يقتصر على أشعة الشمس، وسماع زقزقة العصافير، فنحن نهيم على وجوهنا، ونواجه الأسئلة الصعبة بداخلنا. ببساطة نحن نميل إلى أن نشعر بالسعادة مع الكثير من الأنشطة المضيعة للوقت: الهاتف، وسائل الإعلام، وغيرهما، والتي تمكننا من العيش في فقاعة من السعادة المزيفة أنشأناها حول أنفسنا».

ويُرجع الكاتب سانيل ساشار أسباب عدم الارتياح إلى هذه التجربة لأسباب مختلفة قليلًا، فيقول: « كل شخص منا يسعى إلى التفوق على الآخرين في سباق الفئران الذي نعيشه كل يوم، لذا يلازمنا الخوف من التوقف عن فعل الأشياء، فنعتقد أن شخصًا آخر سيفعل هذا ويسبقنا».

إذن كيف سيمكننا بدء هذه التجربة التي تبدو صعبة؟ هل تسمع عن هذه الأفعال التي تبدو لنا مجنونة؟ «لم أركب حافلة العمل وترجلت حتى السينما، أنا أنتظرك هناك»، «خرجت من العمل لأتناول قهوتي بمكان جديد وأحدق في المارة»، «خلعت بدلة العمل الرسمية واشتريت بنطلونًا جينز وأخذت إجازة لأسبوع»، هذه كانت بعض البدايات غير المخطط لها، فماذا لو خططنا سويًا الآن؟