في مدينة أكادير (تعني بالأمازيغية الحصن والسور العالي) جنوب المغرب، تمَّ قبل أيام تدشين الشروع في ترميم جزء من سور القصبة التاريخية "أكادير أوفلا" (تعني أكادير العليا).

خطوة مهمّة لردّ الاعتبار للقصبة التاريخية، التي عرفت إهمالاً ونسياناً سنواتٍ، ساهم فيها صندوق السفراء للمحافظة على التراث الثقافي الأميركي التابع للبيت الأبيض، إلى جانب شركاء محليين؛ منهم مجلس الجهة والجماعة الترابية ووزارة الثقافة والمجتمع المدني.

تأهيل مَعلمة فريدة

تعدّ قصبة أكادير أوفلا "المَعلمة التاريخية الوحيدة الموجودة في أكادير؛ ومن ثم فقد تأثرت بشكل كبير، خصوصاً بعد الزلزال العنيف الذي ضرب المدينة عام 1960"، يقول المختار الفاروقي، المندوب الجهوي لوزارة الثقافة بأكادير.

وأضاف المصدر، في تصريح لـ"هاف بوست عربي"، أنه "ابتداء من سنة 2014، عُقدت اجتماعات عديدة مع المتدخلين، أسفرت عن عقد اتفاقية شراكة ووضع خطة ومنهجية للاشتغال على إعادة تأهيل القصبة التاريخية، مع الأخذ بعين الاعتبار احترام التدخلات خصوصيات المكان، الذي ما زال يضم رفات ضحايا زلزال أكادير".

في هذا الإطار، "تم الاتفاق أولاً على ترميم سور القصبة وإعادة بناء الأجزاء الأخرى من السور كما كانت عليه في السابق، ثم من جانب ثانٍ تم الاتصال بجهات كانت قد أنشأت لاقطات هوائية تشوه المَعلمة التي صُنفت تراثاً وطنياً"، يوضح المندوب الجهوي لوزارة الثقافة بأكادير.

وأبرز المختار الفاروقي أنه "منذ نهاية 2016، تم إنجاز ملف يضمّ تصوراً دقيقاً بخصوص تأهيل القصبة التاريخية، تم تقديمه لصندوق السفراء للمحافظة على التراث الثقافي الأميركي الذي وافق عليه وقدّم هبة بقيمة 15 مليون درهم، خُصصت لترميم ما يقارب 120 متراً من سور القصبة الذي يبلغ طوله في المُجمل أزيد من 100 متر".

الحفاظ على حرمة الفضاء

كما شدّد المسؤول بوزارة الثقافة على أن ترميم هذا الجزء من قصبة أكادير أوفلا أو المشاريع المقبلة لتأهيل المَعلمة، سيكون "بمراعاة التقنيات المعمول بها، بالاعتماد على أطر بوزارة الثقافة لها تخصص بمجال المحافظة على التراث وترميم المآثر التاريخية، بالإضافة إلى الاستعانة بأطر أخرى متخصصة بعِلم الزلازل ومتخصصين في الغطاء النباتي".

بدوره، أكد محمد باجلات، رئيس جمعية "إزوران نوكادير" (تعني جذور أكادير)، أنه "ستكون هناك عملية أكبر لتأهيل القصبة التاريخية ومحيطها ككل، بعد ترميم السور الذي يُعتبر من أولى الأولويات، بهدف صيانة حرمة الفضاء التراثي، لكي يكون مزاراً سياحياً مهمّاً للمدينة".

وأشار محمد باجلات، الباحث في تاريخ المدينة أيضاً، في اتصال بـ"هاف بوست عربي"، إلى أن "تأهيل الموقع الأثري سيتطلب غلافاً مالياً يصل إلى 30 مليون درهم، بدعم من 6 شركاء مؤسساتيين وحكوميين ومدنيين؛ منهم جمعية إزوران المستقطبة للهبة الأميركية".

تاريخ زلزال وانبعاث

في مدينة أكادير الواقعة على الساحل الأطلسي، لا ينازع في شهرة قصبتها أكادير أوفلا أو أكادير إيغير (المَنكِب)، سوى شواطئ المدينة الذهبية والصيت العالمي لشجر الأركان المنتشر في الغابات المحيطة.

هذه القصبة -أو الحصن- التي تتربع فوق قمة جبلية (علو 236 متراً على سطح المحيط) وتطل على مدينة أكادير، أُنشئت سنة 1540 على يد السلطان محمد الشيخ السعدي بهدف مراقبة ومحاصرة تحركات البرتغاليين الذين اتخذوا أسفل الجبل مستعمرةً لهم منذ 1470، وأنشأوا بها حصناً وأقاموا على سفح الجبل برجاً آخر لمراقبته؛ مما دفع السعديين لبناء القصبة على قمة الجبل نفسه.

بهذا الخصوص، يقول محمد باجلات، الباحث في تاريخ أكادير، إن "المدينة كانت محتلة من طرف البرتغاليين، وكانت محطّة استراتيجية في اتجاه الهند"، مضيفاً أنه بالضبط "يوم الإثنين 12 مارس/آذار 1541، سيتمكن تحالف القبائل في سوس بقيادة السّعديين من دحر البرتغاليين بالمدينة؛ وكان ذلك بداية التحول للوجود البرتغالي في المغرب".

ونظراً إلى تمرد قبائل سوس (جغرافيّاً، تقع جنوب المغرب ويتحدث معظم ساكنتها بأمازيغية المنطقة، وعاصمتها مدينة أكادير)، "قام السلطان محمد بن عبد الله (1710-1790) بإغلاق ميناء أكادير وبناء ميناء بمدينة الصويرة (جنوب)، فدخلت أكادير في جمود إلى سنة 1911؛ إذ ستبرز من جديد بفعل الصراع الاستعماري حولها بين ألمانيا وفرنسا، فكان أن احتلت فرنسا القصبة التاريخية عام 1913"، يُبرز رئيس جمعية إزوران نوكادير.

كما أفاد المتحدث ذاته بأن هناك تحولاً آخر شهدته المدينة، التي لُقّبت بالانبعاث، بعد الزلزال العنيف الذي ضربها ليلاً في ثاني أيام رمضان من شهر فبراير/شباط 1960، والذي "خلّف أكثر من 26 ألف ضحية و2000 مفقود، وجزء كبير منهم في مقبرة داخل حصن أكادير أوفلا".