كوميديا معبرة وتهريج سينمائي رفيع المستوى: خيبة الوزراء وعبثية الحياة الحسناء وجمالية التشرد والاختفاء.

فينسنت هو وزير بروتوكولي متنفذ، ويحتفظ ببعض الوسامة واللياقة البدنية، وهو في منتصف العمر، حيث يمارس كالشباب رياضة الوقوف على الرأس بخفة ورشاقة، كما أنه  كأي فرنسي يعشق الطعام والنبيذ، أما عشيقته أو زوجته أوديلي، فهي ما زالت شابة وجميلة، كما أنها جذابة وذكية وطموحة ومتطلبة، وتحب كثيرا الثياب الجميلة والمظاهر الباذخة، وتتميز بالنزق وقلة الإخلاص، فهي تتخلى عنه فورا بعد أن يفقد وظيفته العامة كوزير.

أما الوزير الجديد تيودور المتعلق بأمه المسنة المتحذلقة، فيقوم فور استلامه للوظيفة الجديدة بتغيير كل شيء في مكتب الوزارة، وحتى الأرفف والأثاث واللوحات والتحف والمكتب والكرسي، وصولا للتليفون ومنافض السجائر.. فهل سيبقى طويلا في منصبه الوزاري الجديد، ولكنه متفائل على أية حال.

ولا يبدو فينست متأثرًا بفقدانه لوظيفته الهامة، بل يبدو وكانه بدأ بالعيش الحقيقي، ليتحول برغبته إلى مجرد متشرد ثري، عاشق للحياة والأصدقاء والعلاقات والطعام والنبيذ، وحتى لنمط التشرد والتخلي عن معظم المقتنيات.. وفي النهاية يلتقي فينسنت مع تيودور بعد أن يفقد بدوره وظيفته لنفس الأسباب والاحتجاجات التي لا نعرف الكثير عنها، ثم على غير المتوقع لا يشمت فيه، بل يتعاطف معه، ويقول له بروح منفتحة وبلا كراهية: تبدو مرهقا، دعنا نتناول كأسا معا!

هذا الفيلم الطريف هو من إخراج أوتار أوسوليني المخرج الجورجي الهارب للغرب، ومن إنتاج 2006، وهو نفسه واضع السيناريو كما يقوم بدور أحد أصحاب البطل العجائز الشغوفين بتناول النبيذ، والفيلم من بطولة كل من سيفران بلانشيت، جيسنشي جاكيت، وأوتار أوسليني بدور صديقه الوفي العجوز السكير أرنود، كما يقوم الممثل القدير ميشيل بيكولي بدور والدة البطل الثرية الطيبة ماري (وبدا وكأنه تقمص الدور ببراعة لافتة وبأسلوب سلس بلا تصنع)، أما منهجية أوتار في الإخراج فهي شيقة وكوميدية وتحفل بالسخرية التلقائية، وتبدو كحلقة مغلقة، حيث تتكرر فيها الأحداث الطريفة مرارا بصورة متجددة لافتة، كما بمشاهد الفهد المحجوز في الحديقة، أو بالطائر الغريب المنقار النادر المستأنس والمحجوز في قفص كبير، أو بمشاهد مرافقة الوزير المستقيل لحاكم إفريقي متبجح، ومعاينة حالات صيد الغزلان، أو بإطلاق وصيد مجموعة من الخنازير البرية، حيث تتكرر هذه المشاهد مع الوزير الجديد أيضا، كما بدا الحاكم الإفريقي وكأنه ما زال يحتفظ بمحبته الخاصة للوزير المستقيل؛ ربما لطيبته وتلقائيته، ونجد بالتوازي أنه فيما تسيطر العشيقة المتطلبة على الوزير القديم، تسيطر عقدة الأم على الوزير الجديد التائه، وهناك شخصية كوميدية لافتة تجسدت بشخص غريب الأطوار، طويل ومنفر المنظر، وهو بدا بمشاهد الاستهلال وهو يعاين تابوتا يناسبه، ثم نراه يعيش مع الإفريقيين المنبوذين الساكنين عنوة بقصر أم البطل المهجور، ونراه يواصل بمثابرة غريبة بإلقاء المياه القذرة من فوق الشرفة على المارة، ومن جملتهم الوزير المستقيل!

يتحدث الشريط عن عبثية الحياة منذ اللقطات الأولى، حيث نرى أربعة أشخاص مختلفي الأحجام وهم يتناقشون فيما بينهم ومع صانع التوابيت المحترف حول أهمية مطابقة التابوت لحجم صاحبه، ومنهم نفس الشخصية الطويلة النحيفة غريبة الأطوار (التي يتكرر ظهورها فيما بعد).. ثم نرى الوزراء يقيمون عرض صيد مع الزعيم الإفريقي الزائر، ونراهم يخفقون بصيد الغزلان المنفلتة، والخنازير البرية الخارجة من أقفاصها، ثم نطلع على الروتين اليومي لعمل الوزير، الذي يبدأ باستقبال الشخصيات بروتوكوليا، ثم بلعب ورق الشدة وكثرة التواقيع، ومن مفارقات الفيلم اللافتة أن كلا الوزيرين يفقدان وظيفتهما بفضل احتدام الاحتجاجات والمظاهرات المناوئة لهما، والتي لا نعرف سببها الواضح، سوى في لقطة عابرة، حيث يقوم عمال مطرودون بالشماتة من الوزير الأول بعد أن فقد وظيفته.

ثم تظهر شخصيات طريفة مدمنة للكحول والنبيذ، مثل الكهنة المزيفين، وصديقه العجوز الظريف أرنولد (نفسه المخرج أوتار) وأصدقاء آخرين، كما تظهر عاهرات فرنسيات وإفريقيات متعاطفات، وتبدو جميع الشخصيات في هذا الشريط وكأنها تعرف بعضها البعض بشكل أو بآخر، وقد بدا الممثل الفرنسي المخضرم ميشيل بيكولي منغمسا وحقيقيا بأدائه لدور والدة الوزير الثرية والطيبة والحكيمة، عكس الصورة الاستحواذية التي ظهرت فيها والدة الوزير الجديد الشديد الارتباط بأمه، كما بدا عشيق عشيقة الوزير الأول عصبيا ونزقا وكوميديا بطريقة أدائه الهيستيرية المتنفذة.

الفيلم يعكس سخرية الحياة ومفارقاتها العجيبة، كما يكشف بيروقراطية الوزراء وسخافاتهم وبذخهم وتعاليهم أثناء تواجدهم بوظائفهم، ثم يكشف حقيقتهم وبساطتهم عندما يفقدون مناصبهم ويتحولون لأناس عاديين، بل ربما لأشخاص متواضعين ومشردين، عاشقين للصداقات والطعام وعدم الالتزام والنبيذ، طبعا يختلف الأمر هنا مع وزراء ما يسمى العالم الثالث الذين يحافظون على هيبتهم وتعاليهم وعلاقاتهم، ويقفزون لمناصب مفصلية هامة هنا وهناك، بل قد يعودون في تشكيلة وزارية جديدة وكأن النساء لم تلد عباقرة غيرهم، وبعضهم يتمادى في الغرور والاستعلاء وينتفخ، بل قد يتعالى على رفاق دربه وينكر معرفته المسبقة بهم، وأذكر من خبرتي الطويلة في الصناعة أيام كنت أعمل مهندسا في صناعة الإسمنت، أن مهندسا وصوليا ضحك على رئيس مجلس الإدارة المؤقت آنذاك وأوهمه بعشقه للعمل المتواصل الجدي وبولعه بالتفاصيل الدقيقة، وعندما اقتنع الرئيس الساذج به أخيرا عينه مديرا تنفيذيا في صناعة لا يفقه شيئًا فيها، وعندما تم تثبيته استعان بطاقم كامل من المهندسين والماليين ودكاترة الجامعات؛ لكي يكتبوا له أطروحة الدكتوراة التي نالها من جامعة بريطانية مرموقة، ليتاجر بسمعته ومنصبه وشهادته فيما بعد، ويصبح وزيرا للصناعة والتجارة ولأكثر من مرة.. هكذا شتان بين وزرائهم  العاديين البيروقرطيين التافهين والظرفاء والمبذرين، ثم المتواضعين عندما يفقدون وظائفهم، ووزرائنا الأكارم المبجلين المغرورين المتعالين دوما والمتنفذين وأصحاب العلاقات، وربما أحيانا الفاسدين والمستغلين لمناصبهم، ولله في خلقه شؤون!

قدم المخرج أوتار أوسياني فيلما بنكهة طريفة مشوقة، مع بعض السمات السيريالية اللافتة حول ما يحدث عندما نخرج للحياة بلا مناصب وعمل، فالوزير الأول المستقيل كان يملك صلاحيات واسعة وسيارة رسمية فخمة ومكتب كبير، وكان يملك عشيقة جميلة نزقة متطلبة، وبعد أن يطرد من وظيفته ويقدم استقالته، ينتقل لمتعة التشرد والشوارع والأصدقاء والنبيذ وعدم الالتزام والتقاط النساء، وبدا وجوده بعد التقاعد لا يقل أهمية عن عمله كوزير بروتوكولي سخيف، وبدا وكأنه يستمتع تماما بحالته كمشرد ثري، وقد تعود على التجول في المنتزهات والشوارع والمقاهي وبيوت أصدقائه ومنزل والدته المهجور، وهناك مشاهد جميلة غريبة تحدث في الهواء الطلق، مستوحاة من رسومات الفنان الانطباعي الشهير مانيه، ولا تفرق بين حالات العمل واللعب، وما هذا الفيلم سوى تصوير حيوي جذاب لمهازل حياتية عملية، وعبارة عن اسكتشات هزلية مترابطة مع حوارات ارتجالية، فالمخرج يقتبس من سيريالية بونويل، وأحيانا من واقعية فيلليني.

الممثل سيفرا بلانشيت يتقن بعفوية التهريج الطريف المعبر ضمن سيناريو غامض، ويقف على رأسه أكثر من اللازم، ونشعر وكأننا برفقته عندما يزور البيت الريفي عند والدته العجوز الطيبة (أبدع ميشيل بيكولي بتقمص الشخصية بدون إسفاف وتهريج)، التي تتماهى نوعا ما بحركاتها مع الملكة إليزابيت من حيث ارتدائها للأحذية والحقائب، وبطريقة تسريحها للشعر الأبيض ومشيتها، ولكنها بالتأكيد تختلف كثيرا بخفة الدم والظل والطرافة والتلقائية والتواضع الطبيعي.