022492ef2b.jpg

تلاميذ تونسيون يجتازون امتحان البكالورياأضحى الكثير من الطلبة التونسيين متخوّفين من رفض ملفات التأشيرة في السفارة الألمانية، لذلك يلجأون إلى شركات الوساطة حتى تتذلل العقبات أمامهم، لكن ما يشاع عن اتفاق غير معلن بين هذه الشركات وبين السفارة يطرح عدة أسئلة.كغيرهم من الطلاب في الكثير من الدول في طور النمو، يطارد الكثير من طلبة تونس أحلامهم بالدراسة في ألمانيا لأسباب كثيرة منها أساساً السمعة الطيبة التي تحوزها الجامعات الألمانية في العالم وكذلك المستقبل المهني الذي يمكن أن يبنيه الطالب في هذا البلد. بيدَ أن الطريق إلى ما يعتبره كثيرون "فردوساً ألمانياً" بات شديد الوعورة، بسبب التكاليف المالية الباهظة التي يتعين على الطالب التونسي توفيرها باليورو قبل وضع ملفه بالقنصلية.. تكاليف زادت من حدتها أزمة مالية في تونس أثرت كثيراً على قيمة الدينار المحلّي التي تراجعت كثيراً.

لكن ليست هذه التكاليف كلّ شيء، فقد انتعشت خلال السنوات الأخيرة شركات وساطة متعددة تعلن أنها ترافق الطلبة التونسيين من تحضير ملف التأشيرة حتى الاستقرار في ألمانيا، وطبعاً هذه المرافقة ليست بالمجان. من الناحية النظرية، يبقى اللجوء إلى هذه الشركات أمراً اختيارياً بما أن موقع القنصلية الألمانية في تونس لا يلزم أيّ طالب بالمرور عبرها، لكن شهادات من هناك وهناك تتحدث عن أن هذه الشركات باتت ضرورة للطلبة حتى لا تُرفض ملفاتهم، بل إن هناك من يتهم القنصلية بغض النظر عن أيّ ملف يخص تأشيرات الدراسة إذا لم يمر عبر هذه الشركات.

شروط صارمة

حسب آخر تحديث لشروط الدراسة على موقع السفارة الألمانية في تونس، توجد أساسيات بديهية للحصول على "تأشيرة الطالب" منها شهادة البكالوريا بميزة فوق المتوسط، وشهادة القبول في جامعة ألمانية، والحصول على شهادة DSH أو TestDaf لأجل إثبات المستوى اللغوي في الألمانية. أما من يرغبون في الحصول على تأشيرة "الاستعداد للدراسة"، وهي تأشيرة تخصّ الطلبة الذين لم يُقبلوا بعد في جامعة ألمانية، ويرغبون بالسفر لدراسة اللغة الألمانية أولاً بسبب عدم توّفرهم على مستوى C1 الضروري للالتحاق بالجامعة، فهم يحتاجون للوثائق ذاتها، مع استبدال شهادة القبول بالجامعة بشهادة التسجيل في دروس اللغة بأحد المراكز في ألمانيا.

ورغم أن الأعباء المالية تكون أكثر على تأشيرة الاستعداد للدراسة بما أن مراكز تدريس اللغة في ألمانيا تكون مدفوعة الأجر (ما بين 2500 يورو و3800 يورو للمدة الإجمالية كما ورد في أحد مواقع المراكز)، إلّا أن الكثير من الطلبة التونسيين يفضلونها على الفئة الأولى، كما يخبر طالب تونسي تحدث لـ DW عربية في بون. السبب في هذا التفضيل هو أن دراسة اللغة بألمانيا أقوى ممّا عليه الحال في تونس وتؤهل أكثر لمسار قوي في الجامعة منذ البداية، زيادة على أن الوصول إلى ألمانيا في هذه الفئة يمكِّن الطالب من الاندماج قبل أن يبدأ مساره الجامعي.

لكن الشرط الأبرز هو تمويل الدراسة ـ وهناك حلان للمسألة، إما أن يكون للطالب قريب في العائلة يلتزم بالتكفل بسكنه ومصاريفه هناك، وإما حلّ "الحساب المغلق"، وهو الحل الأكثر انتشارا، ليس فقط للتونسيين بل لأغلب الطلبة القادمين من دول خارج الاتحاد الأوروبي. يُفتح هذا الحساب في ألمانيا بقيمة 8640 يورو (25100 دينار تونسي تقريبا)، ويمكن فتحه بما يعادل قيمته في تونس بالعملة المحلية ثم تحويله إلى ألمانيا. ويأتي توفير هذا المبلغ إلى جانب أعباء مالية أخرى كتذكرة الطائرة ورسوم التأشيرة.

عز الدين دحس، تونسي الأصل، يحمل الجنسية الألمانية، يتحدث عن معاناة أسر عديدة بتونس في سبيل إرسال أبنائها: "هناك أسر دفعت ما يصل إلى 45 ألف دينار لأجل تمكين ابنها من الدراسة في ألمانيا. وأخرى اضطرت لبيع كل ما تملكه. للأسف، ألا يمكن أن تكون هذه المبالغ الكبيرة أحد أسباب ركوب قوارب الموت بالنسبة لشباب متعلّم يرغب بالهجرة؟".

ويتابع عز الدين لـDW عربية: " توفير ما يصل إلى 13 ألف يورو لمن يرغبون بدراسة اللغة في ألمانيا قبل الالتحاق بالجامعة كان سابقا أمرا جد صعب، فما بالك اليوم، وقيمة العملة التونسية، آخذة في الانحدار؟ فما بالك والطالب بات تقريبا شبه ملزم بالمرور عبر شركات الوساطة؟".

شركات الوساطة.. استغلال للظروف؟

تعمل هذه الشركات بين ألمانيا وتونس، وتقدم خدماتها بعدة عروض يختارها الطلبة حسب احتياجاتهم وقدراتهم المالية، من مجرّد المرافقة في وضع الملف بالقنصلية، مرورا بالتسجيل في دروس اللغة بتونس، انتهاءً بالمساعدة في إيجاد السكن وإجراءات الدراسة والإقامة والتوجيه غداة الوصول إلى ألمانيا. الاعتقاد السائد في تونس، حسب ما أخبرنا به طالب تونسي، هو أن المرور عبر هذه الشركات يضاعف فرص المرشحين للحصول على التأشيرة.

رغم غياب أي إشارة إليها في موقع السفارة الألمانية، فقد أضحت هذه الشركات ضرورة للطلبة التونسيين، تقول هالة الوسلاتي، وهي ناشطة تونسية في المجتمع المدني بألمانيا ورئيسة سابقة لجمعية الأكاديميين التونسيين بولاية هيسن: "أعرف طالباً أرسل كل الوثائق المطلوبة للقنصلية للحصول على التأشيرة، لكن طلبه رفض. أعاد المحاولة بالأوراق ذاتها عبر شركة وساطة، فقُبل الطلب!" تتحدث الوسلاتي في تصريحات لـDW عربية. وتتساءل الوسلاتي: "إذا كانت السفارة لا ترغب بالتعامل مع الطلبة بشكل مباشر، فأقل شيء أن تضع قائمة بشركات الوساطة الموثوق بها على موقعها".

وجهت هالة انتقادات كثيرة لشركات الوساطة، فـ"علاوة على ثمن الخدمة التي يبدأ من 300 يورو، تتنكر هذه الشركات لوعودها. فهي تعد الطلبة بسكن لائق، وعندما يأتي الطالب إلى ألمانيا يكتشف أنه يسكن في حي هامشي أو أحياء تنتشر فيها الممنوعات كالمخدرات، وهناك طالبات وجدن أنفسهن في أحياء قذرة، ممّا يصعب عملية الاندماج ويؤثر على المسار الدراسي للطلبة"، تقول الوسلاتي. وتعطي المتحدثة مثالا آخر: "يقال للكثير من الطلبة إن شخصاً سيستقبلهم في المطار، وعندما يصلون يكتشفون أن الشخص لا يقدم سوى إرشادات في النقل، يتقاضى عنها مسبقا ثمن 50 يورو".

غير أن السفارة الألمانية في تونس توّضح أنه لا علاقة للخدمات التي تقدمها شركات الوساطة بفرص الحصول على تأشيرة الدراسة في ألمانيا، وأن الاعتماد على هذه الشركات لا يقوّي فرص الحصول على التأشيرة، إذ يؤكد متحدث من السفارة لـDW عربية، عن ترديد هذه الشركات لشائعات بشكل ممنهج لجلب أكثر ما يمكن من المعنيين.

وتقول السفارة إن الطلبة ملزمون بتلبية مجموعة من الشروط الأساسية الواردة في موقعها، كتأمين المصاريف المعيشية بألمانيا على الأقل للعام الدراسي الأول، بغض النظر عن دور شركات الوساطة، وإنه في حال عدم تلبية هذه الشروط، فالطلب يتم رفضه كتابياً ويتم شرح أسباب ذلك في رسالة.

هكذا تعاملت معنا شركات الوساطة

رضوان 19 سنة، وصل إلى ألمانيا قبل أسابيع، جاء هنا كي يحقق حلمه بأن يصبح مهندساً، كما يقول لـ DW عربية. طلب تقديمه باسم مستعار لأنه تخوّف من رد فعل سلبي من الشركة التي لا يزال على عقد معها. هو الآن يدرس اللغة الألمانية ولم يلتحق بعد بالجامعة. تتجاوز تكلفة ما أدته أسرته لأجل الحصول على التأشيرة 15 ألف يورو، تشمل الحساب المغلق وتحويله إلى ألمانيا، و3 أشهر تأجير غرفة أداها مقدما، وستة أشهر من دراسة اللغة الألمانية، وتأمين لمدة ستة أشهر، زيادة على خدمات الشركة التي رافقته، وتذكرة الطائرة، والقطار غداة الوصول. اختار رضوان الشركة بناءً على تجارب الآخرين:" فرصك قليلة في القبول إن تقدمت لوحدك، فالقانون معقد والإجراءات طويلة، وقد ترفضك القنصلية لأقلّ الأسباب" يقول رضوان.

عرضت شركة المرافقة على رضوان ثلاثة عروض، أولها 'ممتاز' والثاني 'مريح' والثالث 'أساسي'. اختار الثاني عله يجد مراده. الثمن الذي تطلبه الشركة في العرض هو 300 يورو، لكن منذر اكتشف أن الغرفة اكتريت له بـ680 يورو بينما لا يزيد ثمنها عن 450 يورو، كما أنه يتوّفر على تأمين بسيط لا يغطي كل احتياجاته الصحية، فضلاً عن أنه لم يجد من يستقبله في المطار لولا تطوع أحد معارفه، إذ لم يكن يعرف أين سيذهب، فاستقبال ممثل عن الشركة له يلزمه باختيار عرض "ممتاز"، مع ما يلحقه من مصاريف إضافية، زيادة على ما قاساه من غياب أيّ إرشاد في ألمانيا يسّهل عليه الاندماج، كما يقول.

قصة الغرفة تكرّرت مع الطالبة مرام، لكن بشكل آخر، فقد وُعدت وهي في تونس بسكن لائق يبلغ شهريا 300 يورو، وعندما وصلت اكتشفت أن السكن لم يكن كما تظن: "غرفة في طابق يسكن فيه أكثر من 15 شخصا، عدد منهم يقطنون بشكل غير قانوني، شروط النظافة كارثية". عندما اتصلت مرام بالشركة أخبرتها هذه الأخيرة أن عليها أداء مبلغ أكبر إن أرادت سكنا أفضل، وهو ما وافقت عليه أسرتها دون تردد، وبعد 3 أسابيع انتقلت إلى غرفة أخرى بـ400 يورو، كانت أفضل من سابقتها، حسب ما تحكيه لـDW عربية.

مرام التي تدرس في جامعة مدينة أوغسبورغ، استنجدت بشركة للوساطة بعد اقتراح من صديق يدرس في ألمانيا. ساعدتها الشركة في كل الإجراءات حتى الوصول إلى ألمانيا وكان مبلغ الخدمة ما بين 300 و350 يورو. تقول مرام لـDW إن هذه الشركات لها الكثير من الإيجابيات وكذلك السلبيات، فباستثناء السكن وكذلك تعامل الشخص الذي أوكلته الشركة لاستقبالها في المطار عندما أخذ منها ثمنا أكبر ممّا يتطلبه النقل، لم تشهد علاقتها مع الشركة مشاكل أخرى.

حظوظ أكبر لمن يمرون عبر الوساطة

شركات وساطة عديدة حاولت DW الاتصال بها لكن لم يتسن الحصول على ردودها عن الأسئلة والإنتقادات التي يوجهها لها الطلاب.

حليمة الفرشيشي، موظفة بإحدى شركات الوساطة، تحدثت لـ DW عربية إن المبالغ المرتبطة بالتسجيل في المعاهد والجامعات الألمانية بالإضافة إلى المبالغ المالية الخاصة بالتأمين وإيجار الشقق، تحدد سلفا من قبل المؤسسات الألمانية ويقع تحويلها بشكل مباشر إلى حساباتها بألمانيا. وتنفي المتحدثة في تصريحاتها أن تحصل الشركة حيث تعمل على عمولات مقابل تلك المبالغ لكنها تشير في المقابل إلى التسعيرة الخاصة التي تقدمها الشركة لدراسة أيّ طلب للدراسة في ألمانيا: 1300 دينار.

وفي الوقت الذي تنفي فيه الفرشيشي وجود أيّ اتفاق مع السفارة الألمانية حول قبول الطلبة، فإنها في المقابل تؤكد أن نسبة قبول ملفات الطلبة التي تعالجها الشركة تفوق بنسبة 70 في المائة نظيرتها التي تودع بشكل منفرد. توضح الفرشيشي: "يواجه الطلبة في الكثير من الأحيان مشاكل وصعوبات عندما يتقدمون بملفاتهم بمفردهم لدى السفارة. والسبب في ذلك أنه في الكثير من الأحيان يعتري الملف نقصا ما".

من هذه النقائص، عدم وضع المبلغ كاملا في الحساب المغلق المخصص للدراسة أو حصول الطالب على معدل أدنى من 12 على عشرين في تونس، زيادة على غياب التسجيل المسبق في معهد اللغة بألمانيا عند التسجيل الأولي في إحدى الجامعات الألمانية، تقول الفرشيشي، مضيفة أنه حتى الملفات التي تعالجها الشركة يحصل فيها الرفض في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل الشركة تتعلم من أخطائها وتراكم خبرة تضمن نسبة كبيرة من القبول وفق تعبيرها.

الكرة في ملعب الإدارة الألمانية

في ظل اقتصاد تونسي منهك، تبقى أيّ مصاريف إضافية على الطلبة، نوعاً من الإرهاق المالي لهم ولأسرهم، خاصة بالنسبة لذوي محدودي الدخل، ومن ذلك ما تطلبه شركات الوساطة من مبالغ للخدمة. فلا يوجد طالب منحدر من أسرة متوسطة الدخل يرغب بزيادة الأعباء المادية الباهظة من الأصل.

لذلك تقترح هالة الوسلاتي إحداث تغيير في بعض القوانين، فهي ترى أنه يمكن للسلطات الألمانية أن تتيح للطلبة الأجانب الحق في الاشتغال ساعات معينة بالأسبوع بعد نيلهم شهادة B1 وليس C1 كما عليه الحال الآن، فهذا التغيير "من شأنه تقليل المبلغ الأوّلي اللازم توّفره في الحساب المغلق، إذ يمكن أن ينخفض المبلغ إلى 6 آلاف يورو فقط، وهو مبلغ كافٍ ليُدبر بها الطالب أحواله في الأشهر الأولى بألمانيا قبل أن يبدأ الاعتماد على نفسه في العمل، بدل الاستمرار في فرض 8640 يورو التي تفترض مسبقا أن الطالب لن يعمل عشرة أشهر على الأقل".

يقدم عز الدين دحس اقتراحا أكبر: "لمَ لا يتم السماح للطلبة التونسيين بالعمل منذ أسابيعهم الأولى بدل انتظار أشهر، حتى ينخفض مبلغ الحساب المغلق من جهة، وحتى يستطيع الطالب الاندماج بسرعة وتطوير لغته الألمانية؟'. كما يقترح دحس أن يتم حذف دور شركات الوساطة بالكامل بالنسبة للطلبة محدودي الدخل : "يجب الإبقاء على الأمور الإدارية فقط دون إدخال الجانب التجاري. يمكن للسفارة الألمانية، بما تتوّفر عليه من موارد بشرية، تنظيم موضوع استقبال طلبات التأشيرات والتواصل مع الطلبة دون الحاجة إلى وسيط".

إسماعيل عزام – بون/ طارق قيزاني – تونس
dae0956469.jpg