تلعب السينما دورا كبيرا في تخليد الإنجازات التاريخية في العالم حيث حصدت العديد من الأفلام الثورية جوائز معتبرة لما حملته هذه الأفلام من قيّم ذات بعد إنساني وحس فني، الجزائر وكغيرها من البلدان أنجزت عدة أفلام عن النضال الثوري الجزائري حيث جسدت بالصوت والصورة أحداث تاريخية هامة ستبقى دون شك خالدة خلود ثورة نوفمبر.

ومن بين الأفلام، التي اعتبرها النقاد تحفة سينمائية، فيلم معركة الجزائر للمخرج الإيطالي الشهير جيلو بونتيكورفو، حيث عرض هذا الفيلم في أكبر دور العرض في العالم والذي يروي فترة من فترات كفاح الشعب الجزائري في العاصمة ضد المستعمر إبان الثورة التحريرية، والذي يكشف من جهة أساليب الاستعمار الفرنسي في تعذيب المجاهدين، وكشف شبكاتهم، والتي تنوعت بين الضرب والاستنطاق والشنق، ومن جهة أخرى استبسال الجزائريين في الرد عليهم بأساليبهم الخاصة بقيادة ياسف سعدي وعلي لابوانت.

هذا الفيلم الذي لقيّ نجاحا كبيرا منذ إنجازه، وما يزال يعرض حتى وقتنا الحالي. صنع الفيلم مجد المخرج الإيطالي الذي كان بمثابة النجاح العالمي للسينما السياسية هو برأي كبار النقاد السينمائيين من بين أهم الأفلام التي خلدتها الذاكرة الفنية والسينمائية في العالم لما يقوم به من تصوير مشاهد جد مختارة ومؤثرة من المعركة التي خاضها الجزائريون في سبيل استرجاع السيادة الوطنية. لقد أبدع مخرج الفيلم أي إبداع في تقريب أحداث المعارك الشعبية التي اندلعت في مدينة الجزائر، وبالذات في القصبة الحي العتيق بالعاصمة الجزائرية، وذلك خلال الثورة التحريرية.

بدأت مغامرة المخرج الإيطالي حين التقى بياسف سعدي القائد السابق للمقاومة في جبهة التحرير الوطني بالجزائر بعد الاستقلال، حيث أنشأ سعدي أفلام القصبة أو دار إنتاج جزائري وأنجز مع بونتيكورفو أول إنتاج مشترك بين البلدين، حيث عكف المخرج بمعيّة القائد العسكري الجزائري على البحث في أرشيف الشرطة وإدارة الجيش ستة أشهر كاملة استنطق خلالها مختلف وجوه المقاومة وقدماء المحاربين الجزائريين، وأيضا استفاد من ذكريات أفراد فيلق المظليين الذين حاصروا القصبة أواسط سنوات الخمسينات من القرن الماضي.

تميّز الشريط بالواقعية الجديدة للسينما الإيطالية آنذاك كما أقحم مبدع هذه الرائعة السينمائية ممثلين مبتدئين باستثناء الممثل المعروف الذي لعب دور الكولونيل ماسو على رأس المظليين الفرنسيين. أما المقاوم ياسف سعدي فقد قام بأداء دوره الواقعي في الفيلم أيضا رافقه في ذلك ثلة من المقاومين الآخرين مما أضفى على الفيلم واقعية ومصداقية والأكثر من كل هذا أن الفيلم جاء كشهادة تاريخية من العيار الثقيل تمنح فرصة للمشاهدين للإطلاع على حقبة زمنية هامة من تاريخ بلد عربي.

أظهر الفيلم الطرق البشعة للجيش الفرنسي وأيضًا العمليات الوحشية ضد بعض المدنيين في قالب سينمائي يكاد يقترب من الواقع حيث تتحرك وتضطرب الكاميرا ذهابا وإيابا مثل أي فيلم تسجيلي فوجئء مخرجه بأحداث طارئة ومفاجئة كما أن كاميرا المخرج تقترب في معظم مشاهد الفيلم من وجوه المقاتلين من الطرفين لتنقل تقاسيم وملامح وجوههم..نجح بونتكورفو حسب العديد من النقاد في إنجاز فيلم نزيه معتمدًا على المشاهد الثابتة والمتحركة والأحداث المتصاعدة حسب كرونولوجيا الأحداث، كما أنه سلط الضوء على العلاقات الحادة بين طرفي المعركة، إذ صور بذكاء بعض تصرفات الخونة الذين يسعون لامتيازات مالية لدى الفرنسيين ويرتدون قناع المقاومة وفداء الوطن.

بينما في الجهة المقابلة بعض النساء الجزائريات يلبسن أزياء النساء الأوربيات ويقلدنهن حتى إذا اجتزن بعض الحواجز وضعن القنابل ورمين بها لتنفجر في وجه الجنود الفرنسيين، كما اهتم المخرج بنفسه بالموسيقى التصويرية لمعركة الجزائر، والتي كان لها دور هام حسب المخرج الإيطالي فهي تقود المتفرج نحو مفاتيح الفيلم.. عرفت مسيرة شريط معركة الجزائر انعراجات وردود فعل كثيرة فقد منع من العرض في فرنسا عند خروجه للقاعات السينمائية، وبالرغم من ذلك فقد نال جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية عام 1969، وجائزة النقد خلال مهرجان كان في نفس السنة كما حصد ثلاثة أوسكارات سنتي 67..69 كأحسن فيلم وأحسن مخرج وأفضل سيناريو.

بعث الفيلم من جديد بعد طول غياب إذ استدعى البنتاجون الأمريكي في سنة 2003 ضباط الأركان ومدنيين أمريكيين إلى عرض خاص للفيلم والهدف رغبة البنتاجون إحداث نقاش حول التحديات التي واجهها الجنود الفرنسيين في معركة الجزائر. الأمر الذي قد يساعد الجيش الأمريكي لاستخلاص دروس حول حرب العصابات، وهو ما يعكس أهمية الفيلم أيضا على المستوى التكتيكي والعملياتي. وبعد ذلك بسنة واحدة، أي عام 2004، سمحت فرنسا بعرض فيلم معركة الجزائر، وتم استدعاء بونتيكورفو لحضور العرض الأول لفيلمه في مهرجان كان الدولي، أربعين سنة بعد صدوره، كما وزع الفيلم في صيغته الإنجليزية على أقراص دي في دي في بريطانيا، وعرض أيضا في أنحاء المملكة منذ سنوات.