b48b9eb428.jpg

a09c4a6eec.jpgتزداد أعداد الكتب المحظورة والمصادرة في تركيا من يوم إلى آخر، إذ باتت حتى كتب الفيلسوف الهولندي سبينوزا والفرنسي ألبير كامو أدلة على ارتكاب جريمة يعاقب عليها القانون، ما يقيد كثير من حرية الرأي هناك في ظل قوانين الطوارئ."عندما أردنا تسليم مسودة الكتاب إلى دار النشر في ساعات الفجر الأولى، تم اعتقالنا، وتمت مصادرة كل الملاحظات المتعلقة بالكتاب وكل أجهزة الكومبيوتر. وبعد ذلك قررنا إعادة تأليف الكتاب في السجن. ولأنه كان ممنوعاً علينا استخدام أي كومبيوتر أو آلة طابعة، فقد كتبنا كل شيء بالقلم الرصاص. كنا في زنزانتين مختلفتين وتبادلنا النصوص من زنزانة إلى أخرى"، هكذا يصف الصحفي باريز تاركوغلو الطريقة التي تم فيها تأليف كتاب "التسريب. أشهر الأتراك في ويكيليكس"، الذي ألفه بالتعاون مع زميله باريز بليفان في السجن.

واتهمت السلطات التركية كلا الصحفيين بـ"الانتماء إلى منظمة إرغينكون الإرهابية"، معتبرة أن مجموعة المتآمرين هذه عملت على إسقاط حكومة أردوغان. ولم يُطلق سراح تاركوغلو وبليفان إلا عام 2012، بعد أن قضيا 18 شهراً في السجن.

وكذلك مُنع نهاية سبتمبر/ أيلول من هذا العام تداول كتابهما المشترك الثاني "ممنوع: لغز تركيا في الوثائق السرية"، الذي صدر عام 2015. فقد حظر أمر قضائي بيع الكتاب في الإنترنت والترويج له في مواقع التواصل الاجتماعي. وعللت المحكمة ذلك بانتهاك الحقوق الشخصية لأحد نواب حزب العدالة والتنمية، الذي يأتي الكتاب على ذكره.

منع الكتب ممارسة ممنهجة

وبحسب اتحاد الناشرين الأتراك فإن قرار المحكمة هذا يشكل حظراً فعلياً، لأنه يمنع القراء من الحصول على الكتاب. وبعد أن قُدم استئناف ضد هذا الأمر القضائي، تم رفع الحظر جزئياً، كما يوضح تاركوغلو، الذي يأمل أيضاً في رفع الحظر كلياً عن تداول الكتاب وبيعه.

لكن الصحفي فهيم تاستيكين لا يشاطر تاركوغلو هذا الأمل، فقد حظرت محكمة في محافظة أديامان كتابه "روجافا: وقت الأكراد"، بمعية كتابين آخرين كانا قد نُشرا قبل أعوام. ويعتبر تاستيكين أن رفع هذا الحظر سيكون مفاجأة كبيرة بالنسبة له.

وجاء في عرض أسباب منع الكتاب أنه يحمل سمات منظمة إرهابية. وبالنسبة لتاستيكين فإن "قرار حظر كتابه يفتح فصلاً جديداً" في تاريخ تركيا، موضحاً أن النظام القضائي يصف للمرة الأولى بشكل مباشر كتاباً كـ"منظمة إرهابية"، وهو ما يُعد فضيحة برأيه.

يخشى تاستيكين احتمال البدء بإجراءات جنائية ضده، وهو ما يذهب إليه محاموه أيضاً. ويقبع في سجون تركيا في الوقت الراهن عشرات الصحفيين والكتاب، أُلقي القبض عليهم بعد محاولة الانقلاب في 15 تموز/ يوليو 2016.

سبينوزا وكامو – أعضاء في منظمة إرهابية؟

بعد 15 تموز/ يوليو 2016 فُرضت حالة الطوارئ في تركيا، وتم غلق 30 داراً للنشر بموجب أوامر السلطات، كما كشف اتحاد الناشرين الأتراك، وتمت مصادرة أكثر من 670 كتاباً. والتهمة هي: الدعاية لمنظمة إرهابية. إضافة إلى ذلك فقد حُجب نحو 135 ألف كتاب من رفوف المكتبات العامة بالتهمة ذاتها أو باتهامات أخرى، وبعضها كتب للفيلسوف الماركسي لوي بيير ألتوسير ولأستاذ القانون الدستوري التركي سيرفر تانيلي ولناظم حكمت، فقد اُعتبرت كأدلة جنائية في بعض القضايا.

أما كتب الهولندي باروخ سبينوزا، وهو أحد أهم فلاسفة القرن السابع عشر، والفيلسوف والكاتب الفرنسي ألبير كامو، فقد اُتهمت هي الأخرى بـ"عضوية منظمة إرهابية". ومن الطريف أن فلاحاً أُلقي القبض عليه بسبب وجود هذه الكتب في منزله على الرغم من كونه أُمياً.

يرى الكثير من الحقوقيين أن حرية الرأي باتت مخترقة، رغم أن الدستور ينص على حمايتها وصونها. في الوقت ذاته فإن حرية الإعلام داخل الدولة باتت مقيدة. وحتى خارج أروقة المحاكم يتم التحريض على كتب بعينها وعلى كتابها، فقبل بضعة أسابيع وُجهت تهديدات لفظية وجسدية للكاتب المنتقد للنظام إحسان إلياجيك خلال دخوله إلى معرض للكتاب في مدينة قيصرية التركية، الأمر الذي أضطره إلى عدم المشاركة في هذا المعرض.

حادث مشابه وقع في معرض الكتاب الدولي بإسطنبول الذي انتهى يوم الأحد 12 نوفمبر/ تشرين الثاني 2017. عندما كان الكاتب والصحفي التركي صباح الدين اونكيبار منشغلاً في توقيع كتبه على هامش المعرض، هاجمته مجموعة من عشرة أشخاص.

"لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا المنوال"

وإضافة إلى كل هذا يأتي دور قضايا التشهير والإهانة، فكتاب حميدة يغيت الصادر العام الماضي يعنوان "جميعهم ينتمون لتنظيم داعش: من القاعدة إلى الدولة الإسلامية – الحرب المقدسة للولايات المتحدة" تمت مصادرته هو الآخر، والتهمة هذه المرة أيضاً: الدعاية لمنظمة إرهابية. وهناك ست قضايا مختلفة ضد الكتاب، ومنها بسبب "الإهانة العلنية للدولة والحكومة" و"إهانة رئيس الدولة". وبرأت أحد المحاكم ساحة الكاتبة يغيت مؤخراً من تهمة المشاركة في أنشطة إرهابية.

لكن مع هذا كله: كيف يبدو المستقبل؟ رئيس اتحاد الناشرين الأتراك كنعان كوتشاتورك يأمل ألا تصبح الممارسات القمعية أكثر سوءا، ويضيف بالقول: "لا يوجد أمامنا سوى الأمل. لا يمكن أن تستمر الأمور على هذا المنوال. شهدنا أحداثاً مشابهة في الماضي بعد الانقلابين العسكريين في 12 أيلول/ سبتمبر 1980 و12 آذار/ مارس 1971. نأمل أن يتراجع عدد عمليات حظر الكتب واعتقال الكتاب". ويختم بالقول: "لا يمكننا أن نقول أكثر من ذلك في أي حال من الأحوال".

كورشات أكيول/ ع.غ
3eade1ec2e.jpg