نادراً من القراء العوام ممن يعلمون اسم سعد الله ونوس، وكثيراً ممن يعملون بالمسرح وبالأخص الهواة، والمستقلون يعلمون اسمه جيداً ذلك الكاتب السوري الذي قد قرر بكتاباته المسرحية فضح المسكوت عنه، طرق الأبواب على مواضيع الجميع قد تركها موصدة خوفاً من المشاكل أو قطع العيش!

ولد سعد الله ونوس عام 1941 بقرية حصين البحر واستمر بالدراسة حتى نال درجة البكالوريا وفي تلك المرحلة ظل يقرأ ما تيسر له من الكتب والروايات، وقد كان أول كتاب يمتلكه وعمره 12 عاما ( دمعة وابتسامة) لجبران خليل جبران، وظل نهماً بالقراءة والمعرفة إلى أن حصل على منحة دراسية وسافر للقاهرة لدراسة الصحافة بكلية الآداب- جامعة القاهرة، وأثناء دراسته حدث الانفصال بين مصر وسوريا، وكان هذا الانفصال قد أوقع به هزة نفسية قوية، وكتب حينها أولى مسرحياته (الحياه أبداً) والتي لم تنشر حتى الآن ثم عمل بالصحافة ونشر العديد من المقالات بالصحف، وبعدها عاد إلى دمشق وتسلم وظيفته في وزارة الثقافة، ظل ينشر العديد من المقالات والمسرحيات القصيرة، وفي عام 1965 صدرت له أول مجموعة مسرحيات قصيرة عن وزارة الثقافة (حكايا جوقة التماثيل).

أثرت هزيمة 1967 في ونوس تأثيراً عظيماً فقام على أثرها بكتابة مسرحيتي (حفلة سمر من أجل خزيران) ومسرحية (عندما يلعب الرجال) وفي نهاية عام 1967 أسندت إليه وزارة الثقافة تنظيم مهرجان دمشق المسرحي في شهر مايو/أيار، وبالفعل تم تقديم أول عمل لونوس على خشبة المسرح.

ظل سعد ونوس ينشر كتاباته إلى أن أصابه مرض السرطان في أوائل التسعينيات، ولم يستسلم له وعاد للكتابة بعد فترة توقف طويلة شملت معظم سنوات الثمانينيات، وقدم في تلك الفترة أعظم أعماله (منمنمات تاريخية- الليالي الخمرية- طقوس الإشارات والتحولات) وقد قدمت طقوس الإشارات والتحولات بعد وفاته بمصر ولبنان للمخرجة اللبنانية نضال الأشقر والمخرج المصري حسن الوزير كذلك مراد منير قد قدم مسرحيتي الملك هو الملك والليالي المخمورة، وقد توفي سعد الله ونوس بعد صراعه مع مرض السرطان عام 1997.

والقارئ لمسرحيات ونوس يجد بأن كتاباته دوماً ما تميل إلى الجانب السياسي والاجتماعي لحياة الكادحين وطرقه لعدة أبواب لم يطرقها كاتب من قبل فكان تركيزه الأكبر والأهم تجاه السلطة ومن يمثلها أو يستخدمها أو الأقرباء من بلاط جلالتها والمستفيدون من ذلك الاقتراب.

فنراه بنص مسرحية الملك هو الملك يكاد يلعب برأس قرائه حين قام بتبديل الملك الحقيقي بآخر من صعاليك الدولة في محاولة للملك في الترفيه عن نفسه واللهو قليلاً، ولكن الحقيقة قد وضعنا ونوس أمام أنفسنا بشكل حقيقي، فالناس ومعشر المحكومين لم يلاحظوا شيئاً من هذا التغيير بل ظلوا صامتين ولتخلد الجملة الشهيرة سيظل الملك هو الملك!

ونراه أيضاً بنص طقوس الإشارات والتحولات والتي يراها البعض وأنا منهم ملحمة مسرحية حقيقية كنص أدبي مسرحي أو حتى حين تجسد على خشبة المسرح ترى بأن ونوس قد قال كل شيء تقريباً عن العالم السري للحكام وصراع رجال الدين والسياسة على الحكم والسلطة وكيف يتم التعاون فيما بينهما أحياناً، استطاع ونوس رسم الشخصيات بشكل واضح ليجعلك لا تندهش مما تقرأه أو تراه على الخشبة، فأولاً وأخيراً مهما كانت سلطاتهم الدينية أو السياسية فهم بشر وليسوا بملائكة.. فشخصية المفتي هي بالفعل مثال حي موجود بيننا، تلك الشخصية التي تستطيع خلط الأشياء وجعلها تبدو مقنعة فقط لأنه ألبسها رداء دينياً، شخصية المثليّ جنسيًّا، بنفس النص الذي يوهمك في بعض اللحظات بأنه اللاعب بكل الحبال وهو الوحيد الذي يستطيع أن يصل ويربط بين الشخصيات لتتوهم أنه ببعض اللحظات من يتحكم بكل شيء حقيقة.

حتى المواطن العربي البسيط لم يغفله ونوس وسط زخم كتاباته (رحلة حنظلة) ذلك النص الذي قد استلهم فكرته ونوس من رسام الكاريكاتير العظيم الفلسطيني ناجي العلي، فمثلما جسد ناجي العلي المواطن العربي بهذا الرسم الكاريكاتوري (حنظلة) استخدمه ونوس في كتابة النص المسرحي (رحلة حنظلة) ليطرح سؤالاً مهماً متى يثور حنظلة؟ ذلك المواطن البسيط.. ووضعنا أمام (سكتشات مسرحية) حياة حنظلة في بيته والشارع والمستشفي وحتى قسم الشرطة، لنرى معاناة هذا المواطن وما يراه بشكل يومي، ولم يغفل ونوس وجود مصاحب لحنظلة بتلك الرحلة وهو شخصية (المهرج) فكان بالنسبة إليه رفيق الرحلة والصديق، ولشخصية المهرج معان وإسقاطات كثيرة، من الممكن للقارئ استنتاج أي منها كما يروق له.

يبدو المقال طويلاً، ولكن لأننا أمام كاتب ليس بالبسيط أو الهين، فذلك الرجل استطاع أن يترك لنا إرثاً مسرحياً نظل نتعلم منه ونتأمله كثيراً.. سعد الله ونوس يظل من أهم رواد وأعمدة المسرح العربي، وقد حان الوقت لنا الآن لنعرف أثره بثقافتنا ووعينا بشكل كبير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.