بعد مرور شهرين على اكتشاف فريق علمي مغربي ألماني "بقايا أقدم إنسان لصنف الإنسان العاقل"، في موقع جبل إيغود بمحافظة اليوسفية وسط المغرب- اكتشف فريق من العلماء غرب بحيرة توركانا، الواقعة شمال كينيا، والتي توحي بأنها فقيرةً من كل شيءٍ عدا التلال الصخرية والرماد البركاني، وجمجمة قردٍ عمرها 13 مليون عام.

يعرف علماء الأنثروبولوجيا أن منطقة نابوديت في حوض توركانا هي المكان المناسب للتنقيب، خصوصاً أنها مسجلة باليونيسكو على أنها موقع تنقيبٍ جديدٍ واعدٍ لحفريات الفترة الميوسينية الوسطى قبل نحو 13 مليون عام.

ويصرُّ أحد العلماء على أن التنقيب بالمنطقة سيسفر عن كشفٍ هائلٍ، يتمثل في اكتشافٍ نادرٍ لجمجمةٍ كاملةٍ لقردٍ صغيرٍ يعطي لمحةً للعلماء عن الهيئة التي بدا عليها أسلافنا المشتركون، حسب مجلة Newsweek الأميركية.

وحين كان البروفيسور إيسايا نينغو، من جامعة دي آنزا بولاية كاليفورنيا الأميركية، يسعى لجمع فريقٍ من أجل بعثة هناك عام 2014 تمتد 3 أسابيع، لم يرِد أحدٌ الذهاب، على اعتبار عدم وجود شيء ليكتشف، وبعد عامين عاد نينغو إلى كينيا، وجمع فريقاً من المنقبين المحليين ( 6 أشخاص) عن الحفريات، ونقبوا لمدة أسبوعين في أغسطس/آب 2017، ولم يجدوا شيئاً.

وفي الرابع من سبتمبر/أيلول عام 2014، عمِل الفريق ساعاتٍ مرةً أخرى في موقع الحفر، ثم عاد خالي الوفاض، حسب The Washington Post الأميركية.

حتى اكتشف أحد أعضاء الفريق، واسمه جون إيكوسي، ما يُعتقد أنه أكمل جمجمةٍ لقردٍ من فصيلةٍ مُنقرِضةٍ في سجلات الحفريات.

بعد أكثر من عامين من أعمال التصوير المُعقَّدة والأبحاث الجيولوجية الإضافية بموقع التنقيب، نُشِرَ الاكتشاف في عدد العاشر من أغسطس/آب 2017 من مجلة Nature العلمية.

وطبقاً لما جاء في المقال، فإن الحفريات "الأحدث" -وهي تلك التي يرجع عمرها إلى ما بين 6 و7 ملايين سنة - تلقي أضواءً خافتةً على السلف المشترك للإنسان والشمبانزي. ما قد يثري معرفتنا حول الأسلاف المشتركين لكل القردة الأحياء والبشر قبل 10 ملايين سنة.

وجاء في البيان الذي أرفقته مجلة Nature بالمقال: "الحفريات المتعلقة بهذا الشأن نادرة، وتتكوَّن في معظمها من أسنان منفصلة وأجزاء من عظام الفك، ولهذا كان من الصعب إيجاد أجوبةٍ للأسئلة الأساسية: هل تمركز الأجداد المشتركون للقرود والبشر الأحياء في إفريقيا؟ وكيف بدا هؤلاء الأسلاف؟".

ويساعد اكتشاف جمجمة القرد الوليد -التي سُمِيَّت أليسي، وهو اسمٌ يعني السلف في لغة توركانا المحلية- في تجاوز بعض تلك الثغرات، ليس فقط بسبب سلامة الهيكل الخارجي لها، وإنما بسبب ما كان محفوظاً بداخلها.

وفي سبتمبر/أيلول 2015، بعد مرور عامٍ تقريباً على اكتشاف الحفرية، حصل نينغو على تخليصٍ حكوميٍ لتسلُّم الجمجمة من كينيا إلى مرفق إشعاع السنكروترون الأوروبي في غرونوبل، بفرنسا. وفي المنشأة التي بها أشعة إكس الأكثر تركيزاً في العالم، أجرى العلماء مسحاً للجمجمة وتوصلوا إلى صورةٍ مذهلةٍ ثلاثية الأبعاد لما كانت تحمله.

ويقول باول تافوريو، العالِم بمرفق الإشعاع، في بيانٍ له: "تمكنَّا من الكشف عن تجويف الدماغ، والأذن الداخلية، وأسنان البلوغ المطمورة مع خطوط سجلات نموها اليومية. كانت جودة صورنا عاليةً إلى حد أننا -اعتماداً على الأسنان- قدرنا عمر الرضيع بنحو عامٍ و4 أشهر وقت وفاته".

في البداية، اشتبه العلماء في أن أليسي هو صغير قرد غيبون؛ بسبب أنفه الصغير. لكن ما إن كشف المسح عن قنوات أذنٍ داخليةٍ عظميةٍ مكتملة التطور، وأسنان البلوغ المطمورة حتى بات جلياً أن أليسي كان كائناً من الرئيسيات.

ويقول فريد سبور، من جامعة لندن ومعهد ماكس بلانك لأنثروبولوجيا التطورية: "قرود الغيبون معروفةٌ بسلوكها السريع والبهلواني على الأشجار، لكن الآذان الداخلية لأليسي تُظهر أنه كان لديه أسلوبٌ أكثر حذراً في التحرك".

وأظهرت أسنان أليسي أن الجمجمة لم تنتمِ إلى أي قرد، وإنما إلى فصيلةٍ غير مكتشفةٍ سابقاً سُميت الآن نينزابيثكس أليسي. وحتى ذلك الوقت، لم يكن العلماء متأكدين من أن تلك الفصيلة كانت تنتمي إلى القرود أصلاً، وما إذا كانت تستوطن آسيا أم إفريقيا. ويقول نينغو إنهم الآن يستطيعون استنتاج أن تلك الفصيلة كانت جزءاً من مجموعةٍ من الرئيسيات التي عاشت قبل 10 ملايين عامٍ، وأنها استوطنت إفريقيا.