ليست البداية هنا كما اعتقدت منذ سنوات مضت، ولكن البداية منذ عدة أشهر عندما حضرت إحدى الحفلات الشبابية فى المقر المشهور بالغيتارات والآلات الموسيقية والأعمار الشبابية، ساقية الصاوي.

ولا يهمني شخصياً المكان ولا حتى من يوجدون فيه، سواء كان جمهوراً أو من يأتي إليهم الجمهور، الأهم الأفكار التي وُلدت ونضجت في هذا المكان بين الأعمار الشبابية المختلفة، والآلات والأصوات الموسيقية غير المتشابهة، والحناجر التي تحتاج إلى الكثير من علب"الإستربسيلز".

صوت الشارع المصري

انتشرت فى الآونة الأخيرة فرق الموسيقى التي تعبر عن أحلام الشباب وأفكار الثورة، وما أحلام الثورة سوى أفكارٍ شبابية تحولت إلى كوابيس، نعيشها الآن ونتمنى أن يأتى ميعاد استيقاظنا، إن استطعنا الصحوة مجدداً من كابوسنا وتحطيم جدران الخوف التي شُيدت مرةً أخرى.

ربما عدة عوامل سياسية واجتماعية، ليست بالقليلة، ساعدت في وجود ما نحن فيه الآن، ولكن كلماتي هنا تبحث عن فريقٍ موسيقي أدى رسالته الإنسانية بشكل ما فوق الممتاز، بغض النظر عن بعض الأسئلة والانتقادات، التي بالفعل يجب أن تُوجَّه لهذا التيم الغنائي الرائع!

هل أنتم تنتمون إلى الثورة والمجتمع والشعب المصري والتعبير عن هدفه، ومشاركته المعاناة والصراع مع عدوه، أم نوع آخر من الفن التجاري الجالب للأرباح؟!

الصراع مع النظام

كيف يسمح النظام لكلماتكم أن تنتشر على ألسنتنا والتي تحيي الإنسانية بداخلنا باختلاف مبادئها وتوجهاتها وأفكارها؟ كلماتكم التي بمثابة محاضرة سياسية تحث الناس على الصراخ بحقوقهم المسروقة؛ بل والسعي لانتزاع تلك الحقوق من سارقيها، أو مثل خطاب جماهيري يُحشد أمامه آلاف الناس حول فكرة واحدة تسمى الإنسانية.

أو بشكل آخر مثل مشهد سينمائي يُجسد حال المواطن المصري التعيس الذي لا يريد سوى 3 جنيهات ثمن الدمغة وختم النسر وكوب شاي لموظف غلبان؛ بل ويصف صورة العسكري الغلبان المكبَّل والمكلبش بمِخْلته التي تعِب ظهره من تحمُّلها ونفد صبره من شدتها واستاءت كرامته من مهانتها، وأحلام الشاب المصري ببيتٍ صغير لا يسع لقدر كبير من السعادة التي أتت بواسطة زوجة طيبة وأطفالٍ صغار.

والكلمات التي التف حولها الجميع ولا نرى مفراً منها، هي كلمات الثورة ومطالبها؛
حقوق الإنسان، الكرامة، الحرية، العدالة، المساواة، التعايش. فبدأ صراع الكلمات يُترجم إلى أفكار، نزلت من أجل التغيير إلى الأفضل في أرض الواقع، في كلمات دالة على الفرح والانتصار، وتذكُّر البارحة، والاشتياق إلى استكمال المشوار والانتقام من القتلة، والانتماء إلى دماء الشهداء؛ مثل أغاني: "يا الميدان"، "اثبت مكانك"، "الشتا اللي فات".

وبعد الانقضاض على الثورة، بدأ كايروكي بمحاكاة الواقع فبُدّلت الكلمات في ذهنه من الانتصار والقصاص إلى كلمات تشكي الحال، وبعضها يوحي بالاستسلام، وأخرى بالأمل ما دامت الأفكار لا تموت والثورة ستنتصر مهما كانت عواقبه؛ مثل أغاني: "ناس بترقص وناس بتموت"، و"السكة شمال"، و"ساكتين ساكتين"، آخر أغنية له.

فتبدلت الطاقة النفسية لدى مؤلف الفريق، كما تبدلت أحلام الثورة بكوابيس الوجوه العفنة، وأصبح مستقبل الثورة شيئاً مضى، والمستقبل في نظام عفنٍ كان من المفترض أنه مضى،
ولكن فاجأنا الفريق، منذ عدة أسابيع، بكلمات وصراع آخر يعيشه الإنسان مع ذاته.

الصراع مع المجتمع والذات

تربية الزمن والناس والمجتمع، كانت كلمات أغنية "هدنة"، التي عبَّر فيها مؤلف ومغني الفريق عن ثلاثية الصراع الدائم بين الإنسان ونفسه والمجتمع، تعيش روح الإنسان مع صراع مع المجتمع الذي لا يعترف إلا بالمادة؛ لأن الروح لو تتكيف معه لفقدت إنسانيتها وإلا فستصبح منعزلة متأخرة ومتخلفة لا تواكب العلم والحضارة.

أيضاً الصراع الذي تعانيه المرحلة الشبابية، مع الأهل وعاداتهم وتقاليدهم العجوزة التي تحتم علينا تقليدها وإعادتها من حيث المظهر الخارجي والجوهري، وإلا نصبح خارجين مارقين عن التربية والقدوة التي يريدونها لنا ليس التي نريدها نحن.

"جوايا اتنين وانا التالت، والتالت دايماً ساكت"، عبَّرت أغنية ألبوم "نقطة بيضاء"، عن الصراع الأبدي بين الإنسان ونفسه، القلب والعقل، المشاعر والأفكار، صراع يتشابه ولا يختلف مع سنن الله في كونه.

صراع كلمة الحق مع الباطل، الإحساس بالخذلان والسكوت والضعف والتهميش مع كلمات ينطقها العقل ويقول: "لازم نمشي جنب الحيط"، مع الإحساس بالمرح عند غناء وترديد كلمات "السكة شمال في شمال واليمين اختفى"، بعد ما كانت "السكة شمال واليمين مش شغال" من قبل، ولكن اختفاء اليمين إن دل شيء فإنه يدل على مزيد من اليأس وفقدان الأمل والحلم، ونحن جزء من صراع الأفعال لا الكلمات.

في حفلتي الماضية، رأيت الشباب وروحى بينهم تهتف بصوت الكلمات على الألحان الغيتارية. ولا أستطيع أن أقول على هذا إنه جنون ولا أجزم بأن فيه شيئاً من العقل. ربما أستطيع تأكيد أن الأرواح هربت من الواقع المقيد البائس وذهبت لحلم متفائل، مضمونه الحرية.

والجنون الذي تمَّ منا -نحن الشباب- إن دل على شيء فلا يدل إلا على الإنسانية التي بداخلنا والتي تفاعلت مع الكايروكي الذي يقدم فناً، أرواحنا تبحث عنه في غابة الموسيقى المتوحشة.

الآن انتهى.. صوت الحرية عندما فكرت في طلب الزعيم، حينما كنت أثبت مكاني، عندما رأيت ناس بترقص وناس بتموت، بينما أنا أمشي والسكة شمال، أحياناً كنت أهتف بحزن إحنا الشعب بين حيطانه الأربع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.