لطالما كانت الأخطاء التاريخية في الأفلام السينمائية موضوع نقاش بين مؤيدين ومعارضين، بين من يصرون على أن العمل الفني ليس بالضرورة عرضا تاريخيا دقيقا، فهو يخضع لتصور المخرج والرسالة المراد إيصالها، فيما يؤكد آخرون على أن الأخطاء التاريخية تساهم في قلب الحقائق، وإعادة بناء المفاهيم لدى الجمهور المتلقي خدمة لأهداف معينة.

نتعرف في هذا التقرير، على بعض الأمثلة المشهورة لأفلام سينمائية معروفة، ارتكبت فيها أخطاء تاريخية واضحة، رغم المستوى العالي والنجاح الجماهيري الكبير الذي حققته.

هو فيلم تاريخي شهير من إخراج ريدلي سكوت وبطولة راسل كرو وخواكين فينيكس ودجيمون هونسو، حصد خمسة جوائز أوسكار من بينها جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، كما فاز الفيلم بجائزة غولدن غلوب لأفضل فيلم دراما وأفضل موسيقى. تدور أحداث الفيلم في إطار مليء بالتشويق والإثارة أيام الإمبراطورية الرومانية عن ماكسيموس قائد الجيش السابق الذي تحول إلى عبد مملوك ثم مصارع يسعى للانتقام من كومودوس الذي قتل زوجته وابنه.

تقول الوقائع التاريخية بأن كومودوس لم يكن مجنونا مختلا كما صوره الفيلم، بل كان إمبراطورًا جيدًا استمرت فترة حكمه لعقود طويلة، ولم يتطرق التاريخ بأي شكل من الأشكال لمسألة قتله لوالده، كما أن وفاته حدثت بشكل طبيعي بسبب المرض، وليس في ساحة المصارعة كما صور الفيلم ذلك.

هو فيلم تاريخي من إنتاج وإخراج وبطولة ميل جيبسون، حصل على جائزة أوسكار لأفضل فيلم، وهو يتناول في قالب ملحمي نضال وليام والاس، الذي قاد المقاومة ضد الإنجليز المحتلين لإسكتلندا إبان حروب استقلال إسكتلندا.

يصور الفيلم إقامة وليام والاس لعلاقة مع الأميرة إليزابيث في خضم صراعه مع ملك إنجلترا إدوارد الأول، انتهت بحملها لطفله، لكن الوقائع التاريخية تثبت أن عُمر الأميرة الفرنسية كان 3 سنوات فقط عندما قتل والاس، كما احتوى الفيلم على مغالطة تاريخية أخرى مرتبطة بزي الإسكتلنديين، فهؤلاء لم يشرعوا في ارتداء التنورة إلا بعد 300 سنة من عصر والاس.

فيلم تاريخي آخر من بطولة ميل جيبسون، وإخراج رولان إيميريش، تدور أحداثه سنة 1776 أيام حروب الاستقلال الأمريكية مع الإنجليز في القرن الثامن عشر، وتصور حياة بنيامين مارتن، الأرمل الذي يقرر الاستجابة للضغوطات والدخول في حرب انتقامية ضد البريطانيين رغم رفضه لذلك في البداية بسبب خوفه على أبنائه السبعة، وخلافه مع ابنه غابرييل الذي اعتبر رفضه للقتال في البداية علامة على الجبن.

تقول الوقائع التاريخية بأن بنيامين مارتن لم يكن قد تزوج بعد في ذلك الوقت، كما لم يكن له أبناء، وكان في الحقيقة تاجرا للعبيد.

هو فيلم درامي حربي من إخراج مايكل باي وتمثيل بن أفليك وجوش هارتنت، يتناول الفيلم الهجوم الياباني على ميناء بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية وغارة دوليتل التي تبعته، وهي الأحداث التي أدت إلى دخول الولايات المتحدة بشكل فعلي في الحرب إلى جانب قوات الحلفاء.

حصل الفيلم على جائزة أوسكار لأفضل مونتاج صوتي عام 2002، كما حقق أيضا نجاحا جماهيريا عالميا على مستوى شباك التذاكر، حيث بلغ إجمالي الإيرادات 449 مليون دولار، رغم أن ميزانية إنتاج الفيلم لم تتجاوز 198 مليون دولار.

في بداية الفيلم، يقول والد داني أنه قاتل النازيين في صفوف قوات الحلفاء الفرنسيين في فيردان، لكن الوقائع التاريخية تشير إلى أن المعركة انتهت قبل وصول القوات الأمريكية أصلا إلى أوروبا، كما أن تصوير الفيلم للبطلين راف وداني وهما يتغلبان على عدد كبير من الطائرات المغيرة أمر مبالغ فيه، فالواقع يؤكد أن عدد الطائرات اليابانية المهاجمة التي تم التغلب عليها كانت أقل من ذلك العدد بكثير.

فيلم أمريكي تاريخي من إخراج ريدلي سكوت وبطولة أورلاندو بلوم وإيفا غرين وغسان مسعود، تدور أحداثه في القرن الثاني عشر خلال فترة الحروب الصليبية، وهي قصة الحداد باليان القادم من قرية فرنسية في اتجاه القدس للمشاركة في المعارك التي دارت بين المسيحيين والمسلمين في محاولات استرداد المسلمين للمدينة بقيادة صلاح الدين الأيوبي، وهي المواجهات التي انتهت بانتصار المسلمين في معركة حطين وفكهم الحصار عن القدس.

رغم الجودة العالية للفيلم إلا إنه حافل بالأخطاء التاريخية، فالعلاقة بين باليان وسيبيل لا وجود لها، بل إن باليان في الواقع كان كهلا كبيرا في السن، وليس شابا كما صوره الفيلم، لم يدم احتلال القدس أزيد من قرن كما جاء على لسان الممثلين في الفيلم، بل 88 عاما بالضبط بين 1099 و 1187 ميلادية، أضف إلى ذلك أن تصوير ميزان القوى بين جيوش صلاح الدين والصليبيين كان مبالغا فيه، فتعداد قوات صلاح الدين لم يتجاوز 12 ألف مقاتل في معركة حطين، وهو عدد أقل بكثير من تعداد القوات الصليبية عكس ما حاول الفيلم إيصاله.

الطريف هنا أن بعض الجمعيات المسيحية المتشددة في أوروبا والولايات المتحدة رفضت محتوى الفيلم لهجومه حسب رأيها على المسيحيين وتقديمه صورة إيجابية عن المسلمين.

هو فيلم ملحمي من إخراج زاك سنايدر وبطولة جيرارد بتلر، يستعيد أحداث معركة ترموبيل عام 48 قبل الميلاد وقتال ملك إسبرطة ليونيداس و300 محارب من إسبرطة حتى الموت بمواجهة خشایارشا وجيشه الفارسي الأسطوري. لتنشأ إثر هذه المعركة ما يمكن اعتبارها أول ديمقراطية في العالم.

أثار الفيلم الجدل بسبب تزامنه مع تصاعد حدة الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران بسبب برنامجها النووي، واتهمت الأخيرة هوليوود بالترويج لفكرة مغلوطة عن الفرس والحضارة الفارسية بشكل عام، ولا يعرف بالضبط إن كان صانعو الفيلم يقصدون تنفيذ فيلم تاريخي أم مجرد دراما مستوحاة من أحداث تاريخية، فالفيلم لا يلتزم بأي من الأحداث التاريخية الواقعية سواء في تفاصيل موقعة ترموبيل أو في ملابس الملك وكذلك في سن أعضاء المجلس الإسبرطي، بينما كانت المغالطة التاريخية الكبرى في فكرة قتال الجيش وهو عار إلا من شورت جلدي وهو ما ينافي الواقع تماما.

فيلم تاريخي بريطاني من إخراج شيكار كابور وبطولة الممثلة كيت بلانشيت، ويتناول فترة حكم إليزابيث الأولى لإنجلترا الأنكليكانية خلال القرن السادس عشر، بلا وريث شرعي، خاصة بعدما سميت بالملكة العذراء، وصراعها مع الممالك الكاثوليكية وتحملها لأزمات متعددة في وقت متأخر من فترة حكمها بما في ذلك المؤامرات المحكمة، مؤامرة اغتيال، الأرمادا الإسبانية، وخيبات أمل رومانسية.

أكثر الانتقادات الموجهة للعمل استندت إلى كون الملكة عندما بدأت أحداث الفيلم كان عمرها 52 عاما، بينما كان عمر كيت بلاشينت 36 عاما فقط، وفي الوقت نفسه فقد أظهر الفيلم تقدم إيفان الرهيب لخطبة الملكة، والحقيقة التاريخية تؤكد أن إيفان قد مات قبل هذه الفترة بكثير.

فيلم أمريكي من بطولة ماثيو ماكونهي وإخراج جوناثان موستو، تدور أطواره أيام الحرب العالمية الثانية، وتنفيذ قوات البحرية الأمريكية لعملية خطف لغواصة نازية سنة 1941 بهدف الحصول على البرنامج السري لطريقة تشغيلها.

يمكن القول أن الفيلم بأكمله مغالطة تاريخية، فهذه العملية حقيقية، لكنها من تنفيذ قوات البحرية الملكية البريطانية وليس الأمريكية، كما أن سنة 1941 لم تكن قد شهدت أصلا دخول الولايات المتحدة إلى الحرب.