28f332d713abba56be7cbf932df3f7ef_123613854_147

في فبراير عام 1892، ولدت بديعة مصابني، ومُنحت هذا الاسم لجمالها، فاسمها الأصلي الذي خرجت به من بيتها كان «وديعة» إلا أن بهاء ملامحها دفع كل من حولها لإطلاق صفة «بديعة» عليها، حتى صارت من وقتها بديعة مصابني.

رائدة الرقص الشرقي، هكذا لقبوها بعد سنوات، رغم أنها لم تكن راقصة شرقية بالمعنى الحرفي، بل كانت تجمع في فنها بين كل أنواع الرقصات المختلفة، تركية وعجمية وغربية، لكن مسرحها كان مصنعًا لنجوم الرقص الشرقي، فخرجت منه تحية كاريوكا، وسامية جمال، وهذا مبررًا كافيًا لأن تكون رائدتهن.

في لقاءٍ تلفزيونيٍ نادر، أجرته معها المذيعة ليلى رستم، تحكي «بديعة» قصة مجدها منذ الطفولة وحتى صار اسمها ماركة مسجلة في شارع عماد الدين، ومصر والشام أجمعين، إلى أن تجولت حول العالم وتركت بصمتها في فرنسا ولندن وأمريكا الجنوبية تحديدًا، حتى أن من بين أصدقائها ومعجبيها كان الممثل العالمي والمطرب فرنسي الأصل، موريس شيفالييه.

6. البدايات

عاشت في أول حياتها بأمريكا، ورغم ذلك لم تتعلم الإنجليزية وتتقنها إلى بعد اشتغالها بمصر، حيث كان مسرحها مقرًا رسميًا للجنود البربطانيين خلال فترة الاحتلال، وعليها اضطرت لتعلم اللغة لتتمكن من التعامل معهم، لكنها في نفس الوقت كانت تجيد الفرنسية بطلاقة قراءة وكتابة، وكذلك الإسبانية، بجانب اتقانها التركية، واليونانية.

في بداية مشوارها الفني، لم تكن تجيد العربية بشكل كامل أيضًا، نظرًا لحياة الترحال التي عاشتها الأسرة بين بلاد الشام وأمريكا، لكن مع زيارتها لمصر في سن مبكر، تحديدًا عام 1912 –كانت وقتها في العشرين من عمرها- وأثناء تجولها في حديقة الأزبكية التقت بشخص يدعى فؤاد سليم، واقترح عليها أن تدخل مجال التمثيل فرحبت على الفور، ليقدمها بدوره إلى جورج أبيض الذي طلب من «فؤاد» أن يعلمها العربية، وبالفعل وخلال أقل من 3 أشهر أصبحت تجيد قراءة العربية والتحدث بها بطلاقة، حتى أنها أجادت العامية المصرية.

5. الهروب من الأسرة

كانت في صباها وأثناء دراستها بالمدرسة تمارس التمثيل كهاوية في مسرح المدرسة، ولأنها تتمتع بجمال خاص وعود ممشوق يمنحها سنًا أكبر من سنها الفعلي، كانت تحصل على أدوار البطولة وتؤدي أدوارًا من بينها (جوليت) وأدوار الراهبات، ومع انتقالها لمصر وانضمامها لفرقة جورج أبيض بدأت احتراف الفن من المسرح أيضًا.

ذات ليلة، اتخذت بديعة قرارًا أن تهرب من والدتها التي كانت تعيش معها في مصر وتمانع فكرة أن تستمر في العمل بالفن، لدرجة وصلت لحدود المضايقات اليومية من جانب أمها بسؤال متكرر عن سبب التأخير ومتابعة خطواتها، وقتها فكرت (مصابني) في تقديم اقتراح على والدتها بأن يعودا للشام بالقطار، وقطعت تذكرة واحدة سلمتها لوالدتها، وانتظرت حتى موعد الاقلاع وتركت العربة وهربت من والدتها التي تحرك بها القطار.

4. نجيب الريحاني

استعادت بديعة في لقائها التلفزيوني عشرات الذكريات، فالسيدة التي بلغت من العمر 75 عامًا، تعرف تماما أنها صاحبة تاريخ حافل وأن جمالها أهلّها بشكل كبير لتحتل هذه المكانة، قائلة: «كنت أظهر أكتر من عمري، كنت طويلة وجسمي كويس، وشعراتي كانوا حلوين جدا»، مشيرة إلى أنها أول بنت عربية تقص شعرها، وأول عربية تقود سيارة، وتركب طائرة.

تنتقل بديعة لمرحلة أخرى في تاريخها تزوجت خلالها من نجيب الريحاني، مؤكدة أنه لعب دورًا كبيرًا في تاريخها الفني قائلة: «نجيب عمل لي رواية اسمها (الليالي الملاح)، كان فيها مغنى وكان فيها رقص، وليا فيها دور حلو جدًا كان اسمي قوت القلوب، واشتغلناها سنة، وكانت الرواية ماتينيه وسواريه ليلاتي ويوماتي».

وتذكرت خلافها مع الريحاني فجأة قائلة: «أنا شكل وهو شكل، هو يحب النوم ويحب السهر كتير، بيقعد هو وبديع خيري يألفوا ويعملوا روايات، وأنا عايزة بالنهار مثلا أروح أتغدا في مسرح وأروح أتفسح ملقيش راجل معايا، فين نجيب؟ نايم، فين نجيب؟ بيشتغل، فين نجيب؟ عند بديع، فاتخانقنا وسيبنا بعض».

استمر زواجها من نجيب الريحاني منذ عام 1925 حتى 1949، قبل وفاته ببضعة أشهر، لكنها ورغم حديثها عنه ومرور ما يقرب من 20 عامًا على فراقهما ــ أثناء استضافتها في البرنامج ــ إلا أنها تعترف بأنه لعب دورًا كبيرًا في مشوارها الفني، وعملا معًا في أهم الأعمال المسرحية وتجولا حول العالم.

3. مسرح بديعة

مزجت «بديعة» داخل مسرحها بين الموسيقى الشرقية والغربية، لتكون ـ وحسب قولها ـ أول من دمج الموسيقى العربية والإفرنجية: «كان الأول تخت لحاله بيشتغل وحده، والأوركسترا لحالها، أنا اللي دمجتهم الاتنين وخليتهم يشتغلوا مع بعض، البيانو والكونترباص والأوكرديون، بس كان في نغمتين شوية صعب دمجهم، النهاوند والسيكا»، معللة ما فعلته بقولها: «الموسيقى الشرقية وحدها لم تكن كافية لإشباع الجمهور، خاصة أن أغلبه وقتها كان من جنسيات مختلفة، لذلك سعيت لدمج الشرقي بالأوركسترا لإرضاء جميع الأذواق».

استطاعت «بديعة» أن تحقق مكاسب مادية كبيرة من وراء هذا التطوير، وأصبح مسرحها أهم مسرح في مصر يحضر إليه الجمهور من مختلف الأماكن، لتصل أرباحها صافية في الليلة الواحدة بعد توزيع المرتبات وتكاليف السهرات إلى 50 جنيهًا، وهو مبلغ ضخم آنذاك.

2. تحية كاريوكا

خرج من مسرح «بديعة» أكبر الاسماء التي احتلت مكانة كبيرة على الساحة السينمائية فيما بعد، من بينهم تحية كاريوكا والتي قالت عنها: «أخدت الروح مني، واتعلمت الصاجات، وكان رقصها شرقي أكثر من الكل»، مشيرة إلى أنها «تمكنت من التربع على عرش الرقص الشرقي لأن جسمها كان حلو جدًا، بديع، وكان وشها سمبتيك أوي، وكانت مخلصة في شغلها، يعني تلغي كل مواعيدها علشان الشغل».

تتعجب «بديعة» في لقائها مع ليلى رستم من حال تحية كاريوكا خلال تسجيل الحلقة قائلة: «تخنت أوي، بقت متر مربع»، مشيرة إلى أنها (شاهدتها مرة في التليفزيون ولم تعرفها إلا من أسلوبها الشلأ  الذي لم يتغير كثيرا عن شبابها، عندما كان اسمها تحية محمد، ثم حصلت على لقب (كاريوكا) المستوحى من رقصة شهيرة كانت تجيدها»، حسب قول «مصابني».

1. سامية جمال

تنتقل «مصابني» بعد ذلك للحديث عن سامية جمال كواحدة من نجمات مسرحها، قائلة: «كان اسمها زينب، بس احنا سميناها سامية، وبعدين اللي جايبها كان اسمه الجمّال، فإحنا سميناها سامية جمال، مش الجمّال».