عمار الشريعي

عرف الناس الراحل عمار الشريعي موسيقيًا كبيرًا له تاريخه في عالم الموسيقى والغناء، كما أنه صاحب أشهر تترات المسلسلات التي تربت على متابعتها والاستمتاع بها أجيالًا طويلة، وحتى يومنا هذا نردد أغانيها، إلا أن المقربين من «عمار» عرفوا عنه ما هو أكثر من ذلك، بخفة ظلة وأسلوبة الخاص في سرد المواقف والحكايات بطريقة تضفي ابتسامة على وجوه كل من يستمعون إليه.

تعرّف جمهور «عمّار» على هذا الوجه خفيف الظل من خلال برنامجه الأسبوعي الذي كانت تذيعه قناة «دريم» ويحمل اسم «سهرة سريعي»، ومن قبله برنامجه «غواص في بحر النغم» على إذاعة الأغاني، نتيجة أعتياده في بعض حلقات تلك البرامج سرد قصصًا وحكايات مر بها خلال مشواره الفني، بجانب تجارب حياتية علقت في ذهنه، بأسلوب خاص وتقليد مميز لشخصيات الحدث يجعل من الحلقة مادة خفيفة وجذابة بالإضافة لمحتواها الفني القيّم.

وفي هذا التقرير، يستعرض «المصري لايت» 4 حكايات للموسيقار الراحل التي سردها بنفسه في برنامجه سواء الإذاعي أو التليفزيوني.

4. ملهى ليلي

يحكي عمار الشريعي عن موقف كوميدي حدث له أثناء عمله خلال فترة شبابه في أحد الملاهي الليلية بشارع الهرم، حيث كان وقتها يعزف «الأكورديون» ضمن فرقة الملهى الموسيقية، وذات ليلة أخبره أحدهم أن الشاعر اللبناني الشهير جورج جرداق، يقضي سهرته داخل المهلى، و«جرداق» لمن لا يعرفه هو مؤلف قصيدة «هذه ليلتي» التي تغنت بها أم كلثوم من ألحان محمد عبدالوهاب.

قرر «الشريعي» أن ينوه صاحب المهلى بأن شخصية مهمة متواجدة داخل المهلى، ليفاجأ برد فعل الرجل الذي يبدو من وصف «عمار» أن مستواه التعليمي محدود وثقافته لم تؤهله للتعرف على اسم الشاعر بسهولة، حتى أنه سأله بصوته الأجش: «وده مين يا ولا؟»، ليستدل «عمار» بأغنية الست الشهيرة ليعرفه به، مع ذلك استكمل صاحب الملهى استفهامه، ودار بينهما الحوار التالي:

ــ ده مؤلف هذه ليلتي

ــ اللي هي إيه دي يا ولا؟

ــ الغنوة بتاعة الست أم كلثوم

ــ يعني دي كويسة ولا إيه يعني؟

ــ آه دي كسرت الدنيا

ــ يعني يستاهل ولا مايستاهلش؟

ــ يستاهل إيه بالظبط؟

ــ يعني يستاهل نقدمه ولا مايجيبش همه؟

ــ لأ لأ ده كويس، يجيب همه أوي

ــ طب تعالى معايا

أخذ صاحب الملهى عمار من يديه، وصعدا على المسرح، والتقط الميكروفون، وطلب من الشريعي أن يلقنه إذا استلزم الأمر، وبدأ بالفعل سيناريو آخر بينهما على المسرح.

ــ يسر إدارة الملهى أن يكون بيننا هذه الليلة شاعر لبنان الكبير.. اسمه إيه يا ولا؟

ــ جورج جرداق يا عمنا

ــ جورج الجردان

ــ جرداق يا عمنا، جورج جرداق

ــ جورج الفردان

ــ جرداق يا عمنا

ــ مش مهم، مؤلف أغنية الست أم كلثوم والأستاذ عبدالوهاب.. اسمها إيه يا ولا؟

ــ هذه ليلتي

ــ هذه ليلتنا

ــ هذه ليلتي يا عمنا

ــ مش مهم.. ونحن نرحب به بيننا.. اقفل الميكروفون يا ولا.

يستكمل الشريعي بعدها أنه ندم على إخبار صاحب الملهى بمعلومة وجود الشاعر الكبير داخل الصالة، مشيرًا إلى أن محاولة التفاخر بالرجل تحولت إلى مزحة بالتأكيد لم ترضيه على عكس المتوقع.

3. مدرسة المكفوفين

قضى «الشريعي» مراحل تعليمه الأولى من الابتدائية حتى الثانوية في مدرسة للمكفوفين، اسمها «المركز النموذجي لرعاية وتوجيه المكفوفين» والتي تحوّلت فيما بعد إلى «طه حسين الثانوية»، وهي أول مدرسة في الشرق الأوسط للمكفوفين، تقبل طلابًا مكفوفين تمامًا، أو نظرهم ضعيف لأقصى درجة ولا يرون سوى على مسافة متر أو أقل.

عرف «عمّار» داخل المدرسة أصدقائه الأوائل، من بينهم صديق يُدعى «شافعي»، وصفه الموسيقار الراحل بـ«اللطيف الجميل»، وقال إنه كان يحب تقليد القطار، بأن يجري مقلدًا صوت صافرته «توت توت»، خاصة أنه يمتاز بسرعته رغم أنه كفيف لكنه كان يستطيع التحكم في المسافات وضبط الأبعاد، حتى حدث ما لا يحمد عقباه في مرة من المرات.

ذات ليلة، جرى «شافعي» بسرعته المعهودة في محاولة لتقليد القطار، حتى اصطدم بقوة في رأس أحد أساتذة المدرسة، نقولا باسيلي، والذي وصفه «الشريعي» بـ«الأستاذ الوقور»، وإذا به يضع يده على رأسه ليجد دمه يسيل على وجهه، ليدور بينه وبين الطالب «شافعي» الحوار التالي:

ــ اسمك إيه يا واد؟

ــ شـ.. شـ.. شا.. شافعي يا بيه

ــ بتشوف يا شافعي؟

ــ لـ.. لـ.. لأ يا بيه

ــ ولما أنت مابتشوفش يا شافعي، بتجري ليه؟

ــ آسف يا بيه غلطان مش هعمل كده تاني

ــ يا شافعي لو كان عايزك تجري يا شافعي، كان خلاك تشوف… ابقى إدي العما حقه يا شافعي.

2. سليمان وحسن

في نفس المدرسة، تعرف «الشريعي» على صديق العمر سليمان عبدالكريم سليمان، الذي وصفه بـ«صاحبي وأخويا»، مشيرًا إلى أنه لم يكن مكفوفا بشكلٍ كامل، لكنه يستطيع الرؤية لمسافة محدودة جدًا في حال إذا كان الطقس جيد، وبالفعل ذات ليلة قرر الخروج مستغلاً الطقس الملائم، ليطلب منه حينها صديق آخر من نفس المدرسة يدعى «حسن» أن يأخذ بيده في طريقه، ودار بينهما الحوار التالي:

ــ ها يا سُلُم، هاتروح الشغل؟

ــ أه يا حسن هاروح الشغل

ــ طب تاخدني معاك بقى توصلني في سكتك، مش أنت بتعرف تمشي كويس في الشارع.

ــ أه يا حسن بمشي كويس في الشارع الحمدلله.

وافق «سليمان» على مرافقه «حسن»، واضعًا يده تحت إبطه، وسلكا طريقهما في الشارع حتى وصلا لشارع الدقي، وإذا بهما يحاولان عبور الشارع قال حسن: «يا سلاااام يا سُلُم، أنت بسم الله ما شاء الله، بتمشي في الشارع زي الصاروخ»، وقبل أن ينتهي «حسن» من مديحة لـ«سليمان» إذ بسيارة تصطدم بهما وتلقي بهما على الأرض ويلتف الناس حولهما، بينما يحاول «حسن» الوقوف وكأن شيئا لم يكن، صائحًا في البشر: «إيه يا خلق! في إيه يا خلق! خلاص كل حي يروح لشغله»، ثم أمسك برأسه وبدأ يتأرجح يمينًا ويسارًا مرددًا: «سندوني سندوني»، وسقط أرضًا.

ومن يومها يرفض «حسن» الخروج مع «سليمان» أو طلب مساعدة منه في أي مناسبة، قائلاً: «وشرف أبويا، لو دفعولي فيها 5 دولار ما أمشي تاني مع سليمان».

1. فرح شعبي

في إحدى الليالي ذهب عمار وصديقه سمير صبري لإحياء أحد الأفراح في أحد الفنادق الكبيرة بالإسكندرية، ليفاجأ «الشريعي» على باب القاعة بحوار دائر بين إثنين من المعازيم بلكنة صعيدية، جاء فيه:

ــ واسمها إيه العروسة؟

ــ والله ما أعرف، ياخي بيجولوا حنان

ــ دي حنان دي! ياخي جول مرّيرة، ياخي جول غِبّيرة، ياخي جول سوّيدة.. يامرخصك يا أسامي!

توقع «الشريعي» بعد هذا الحوار أن الليلة لن تمر على خير، فتوجه لصديقه سمير صبري وسأله: «هانقول إيه؟»، فأجابه: «نبتدي بـ(كان في مرة ولد صغير)»، فاعترض «الشريعي» قائلاً: «بس ده فرح باين عليه صعيدي تقيل»، فأكد له «سمير» المعلومة مشيرًا إلى أن العريس والعروسة «شكلهم مش ولا بُد»، مع ذلك قررا استكمال فقراتهما، وبدأ سمير صبري الغناء حتى فوجئا بأحد الحضور يصيح من بعيد بلكنة صعيدية: «ياخي جولولنا حاجة نفهمها»، ليقرر بعدها سمير أن يقص عليهم حكاية من وحي خياله، قائلاً:

«وأنا جاي الفرح، عمار الشريعي صديقي قالي ماتيجي نقول (بطلوا ده واسمعوا ده) فأنا قولتله عيب يا عمار مايصحش ده فرح ناس حبايبنا، قام قالي يا أخي وإيه يعني لما نهزر معاهم!».

ثم التفت «سمير» لـ«عمار» وقال له: «يالا يا عمار»، فرد الموسيقار الراحل بنبرة هادئة: «ما بلاش»، لكن «صبري» أصر على غناء الأغنية، وبالفعل بدأ الغناء حتى وصل لجملة «الغراب يا وقعة سودة، جوزوه أحلى يمامة» وإذا بصوت طلقة رصاص يأتي من بعيد – عرف عمار بعد ذلك أن والدة العريس أطلقتها – يصحبه صوت امرأة تقول: «أنا ابني غراب يا حدادي!.. ربيهم يا حنّا».

حينها قرر «الشريعي» أن يستحلفها بـ«المسيح الحي»، لكنها فاجأته باستكمال جملتها: «علمهم الأدب يا مصطفى»، وهنا علق الموسيقار على الواقعة قائلاً: «أقسم لكم إنه من ساعة سنة 19 لم تتفق الأمة، ولم تُجمع الوحدة الوطنية على شيء إلا ضربي أنا وسمير».

https://w.soundcloud.com/player/?visual=true&url=http%3A%2F%2Fapi.soundcloud.com%2Ftracks%2F201373297&show_artwork=true&maxwidth=753&maxheight=1000