الكتابة هي وسيلة من وسائل التعبير والتواصل، وهي وسيلة لتوثيق المعلومة ونقلها، وهي وسيلة للكسب أيضاً، سواء كانت كتابة علمية أو أدبية فنية أو صحفية أو دعائية ترويجية، كما أنها وسيلة ناجحة لعلاج "حمى" الكلمات التي تعجُّ بها رؤوسنا، وتقلب علينا أمزجتنا وأوجاعنا، وسيل المشاعر التي تنتابنا، وحاجتنا الملحَّة أن نخرج بكل تساؤلاتنا إلى الواقع الخارجي، إذ إننا عندما نفرغها على ورقة بيضاء -حقيقية كانت أو افتراضية- فإننا نُشفى ونرتاح، ولكن هل كل ما أكتبه عليَّ أن أعرضه على الآخرين؟

في الواقع ليس كل ما يُكتب هو قابل للعرض، وذلك بحسب الهدف من الكتابة، فضلاً عن أن تتحول الكتابة إلى "حمى" بحد ذاتها فتصبح مجرد غاية، وتتجرد من مفهومها الأصيل، فتظهر الكتابة الركيكة والضعيفة المبنى والمعنى، والتي صارت رائجة مع تطور التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وظهر الكتاب الذين يكتبون لمجرد أن يكتبوا، ليحصدوا الإعجاب لا أكثر، ويأتيني من يسأل: أليست الكتابة فنًّا؟ أليس لي أن أكتب ما أشاء، وأنشره لمن أشاء؟

أنا لم آتِ إليك لأقول لك لا تكتب، على العكس، الكتابة شيء جميل، وفن رفيع، وهي تنظم علاقتنا بذواتنا، وقد تخرج أفضل ما لدينا إذا استخدمناها على النحو الأفضل، ولأن الكتابة تعبر عنك وتبين جوانب شخصيتك، وأنت لا شك تحب أن تظهر بأفضل صورة، فإن عليك الإعداد جيداً لنصوصك التي ستنشرها، وذلك بأن تزنها في ثلاثة موازين:
1- ميزان الجودة : بحيث أن يكون نصَّك على درجة من جودة البناء اللفظي واللغوي، والخلو من الأخطاء النحوية قدر الإمكان، وأن يكون منساباً خاليًّا من التعقيد والتكلف، وأفكاره متسلسلة مترابطة، بحيث يكون القارئ مرتاحاً وهو يطالع نصك، وحتى تصل إليه الفكرة التي تسعى إلى عرضها، ولتحصل على ذلك عليك بالقراءة، اقرأ الكثير من النصوص، وحاول أن تحصل على أفضلها، تلك التي تفيدك في اكتساب مخزون لغوي ولفظي جيد، يساعدك في عرض أفكارك كما ينبغي، ولا بأس من عرض عملك على صديق تثق بصدقه في نصحك وتعلم أنه ربما يكون أفضل منك في هذا المجال، أو أنه قارئ جيد، أما الذين تتوقع أن يثبطوك فدعك منهم.

2- ميزان المنفعة: هل فيما كتبت منفعة للقارئ؟ هل تنقل إليه فكرة ذات قيمة قد تؤثر على حياته أو ترقى بذوقه أو ربما تضيف إلى معلوماته؟ على نصك أن يكون لغاية أعمق من مجرد الكتابة، عليه أن ينقل فكرة علمية أو قيمة أخلاقية، أو أن يرقى بذوق القارئ ويمنحه المتعة والفائدة، فيعود ليبحث لك عن نصوص أخرى تسعده وتنعشه.

3- ميزان المسؤولية: اسأل نفسك: هل أنت مستعد لتحمل مسؤولية ما كتبت؟ هل لديك روح رياضية لتقبل نقد الآخرين؟ فأنت قد نشرت للعامة وما أدراك من قرأ لك، ما هي خلفيته، وما هي ثقافته، وما هي نواياه، عليك تقبل كل شيء، دون أن تؤثر بهمتك الأصوات المثبطة والمريضة، كما عليك أن تتحمل مسؤوليتك أمام الله، لأنك ستحاسب على أعمالك يوماً، هل فيما كتبت ما يغضب الله؟ تجنب كل شيء فيه غضب خالقك من شرك وكفر، وتشهير بالناس دون وجه حق، وغيرها الكثير..

وختاماً.. فإن الكتابة فن جميل، ووسيلة مهمة للتواصل مع الآخرين، وعرض أفكارك عليهم للنقاش والتذوق والمنفعة، واعلم أن الإنسان مجبول على الخطأ، والخطأ ليس عيباً، ولكن الاستمرار على الخطأ هو الخطأ، والعبرة في أن تبدأ، ولا بأس من الاستمرار في المحاولة حتى تحصل على نموذج متقدم من النتائج التي ترضيك، وتَحَلَّ بالصبر، وستنجح بإذن الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.