لوحة للفنان الأميركي جون بنكر (Getty)

أنطوان شلحت

يفتح الدكتور برهان غليون في سياق الحوار معه، النار على نُخب عربية تعاني مشكلة قطيعة عن الشعب، متمنيًا عليها معالجة خوفها منه ويأسها من تطويره وتقدمه. ويؤكد انحيازه إلى الوعي الصحيح للواقع وليس الوعي التزييفي.

وضمن الحديث عن دلالة الوعي، أستعيد ما حدث مع “جوزيف ك.” بطل رواية فرانز كافكا “المحاكمة”، في قراءة تشكل الآن بمثابة “محاكمة” لتلك النخب في وجهي العلاقة الإيجابية والسلبية مع الواقع.

وبودّي أن أستبق القراءة بتأكيد أن أوجه الشبه والترميز الكامنة في العرض السريع اللاحق تبدو لي غير مُستغلقة على فهم القارئ:
تبدأ الرواية بجملة تثير بعض التفكير: “لا شك في أن هناك من وشى بجوزيف ك. إذ جرى توقيفه ذات صباح دون أن يأتي بأي سوء”. وتعني هذه الجملة قبل أي شيء أن ك. بدأ يشعر بما حوله مع انطلاق وعيه بأن ثمة من “أوقفه”.

وكلمة “أوقف” هنا ذات معنى مزدوج، فـ”توقيف” المرء قد يعني زجّـه في السجن من طرف الشرطة. كما قد يعني أيضًا وضع حدّ لحركة نموّه وتطورّه.
تستعمل الرواية في محتواها الظاهر كلمة “توقف” بمعناها الأول. غير أن دلالتها الرمزية ينبغي فهمها وفق المعنى الثاني. فلقد أدرك ك. أنه “توقف”، بمعنى أن حركة نموّه الخاص أُعيقت.

وفي مقطع قصير وبليغ يشرح الكاتب لماذا جرى توقيف ك.، فنفهم منه أن أسباب هذا التوقيف يجب البحث عنها في طريقة عيشه بالذات. وهي طريقة تحيل إلى حياة فارغة، رتيبة، عقيمة. والواقع أنه كان “موقوفًا” وكان يسمع صوت ضميره يحدثه عن توقفه، وعن الخطر الذي يتهدّد شخصيته.

أمّا الجانب الثاني لهذا المقطع فيخبرنا أن ك. كان مرتهنًا للآخرين، ما جعل اهتمامه الرئيسيّ منصبًّا على أن يبدو “جميلًا ولطيفًا” خصوصًا في نظر من كانوا يعطونه ما هو بحاجة إليه. وأشدّ ما كان يخشاه هو أن يبادر أحدهم إلى الإعراب عن غضبه أو أن يُحرم مما كان يُعطى له. وكان يعتقد أن مصدر الأمور الخيّرة جميعًا يقع خارجه هو، وأن مشكلة الحياة نفسها تتلخّص عنده في درء المخاطر التي من شأنها أن تؤدي إلى فُقدان النعم التي تأتيه من ذلك المصدر. فما الذي يُفترض أن يُفضي إليه هذا كله إن لم يكن غياب الشعور بمقدرته الخاصة؟
ما تقدّم يعني أنه حتى “توقيف” ك. لم يكن يدري أن المشكلة في نفسه وأنه يستطيع، بل هو الوحيد الذي يستطيع أن يخلّص نفسه بنفسه.

والواقع أن كل الرواية القائمة على هذه القاعدة، تشير إلى ردة فعل ك. على ذلك الشعور المُبهم، وتضع القارئ أمام الجهود التي يبذلها للدفاع عن نفسه وإنقاذها.

وإذا كان ك. يسمع نداء وعيه، فهو لا يفهمه. وعوضًا عن إدراك أسباب توقيفه، نجده دائم الميل إلى التملّص من نداءات هذا الوعي. وبدلًا من أن يقدّم لنفسه العون الوحيد الذي هي بحاجة إليه، بأن يعترف بالحقيقة ويسعى إلى تغييرها، نجده يسعى إلى الحصول على الدعم حيث لا وجود له، أي في الخارج لدى “الآخرين”، القضاة الدهاة المحنكين، معربًا أمامهم عن براءته وفارضًا الصمت على الصوت الذي يصرخ مذكّرًا إيـاه بتقصيره وبذنبه. وفي خضم هذا كله التبس عليه حسّه الأخلاقي، حيث أنه لم يكن يعرف إلا طرازًا واحدًا من الشريعة الأخلاقية: السلطة الصارمة التي ترفع شعارًا واحدًا “عليك بالطاعة”.

إنه لا يعرف سوى “الوعي السلطوي” الذي يعتبر الطاعة بمثابة فضيلة كبرى والمعصية بمثابة جرم أعظم. ولا يكاد يشتبه حتى مجرّد اشتباه بوجود صنف آخر من الوعي هو “الوعي الإنساني”.

تنتهي رواية “المحاكمة” بصورة مأساوية قاتمة – صدور حكم بالإعدام على ك.، لكن بينما انصرف الجلادون لاتخاذ تدابير تحضير المقصلة إذا بـ ك. يستبصر مشكلته بوضوح شديد لأول مرة. وبينما كان أمضى حياته كلها في إيجاد أجوبة أو بالأصح البحث عن أجوبة لدى غيره، ها هو ذا في هذه الساعة الحرجة يطرح الأسئلة، ولا سيما التي ينبغي طرحها. كان خوفه من الموت هو الذي أمدّه بهذه المقدرة. بيد أن المفارقة الكبرى أنه بدأ يؤمن بإمكان تغيير الواقع لأول مرة في حياته في اللحظة التي صار فيها على شفا الموت.

ملاحظة: عالم النفس الاجتماعي إريك فروم الذي قدّم قراءة عميقة لهذه الرواية عرّف في كتابه “اللغة المنسيّة” الوعي الإنساني بأنه “نداؤنا الخاص الذي يهيب بنا أن نعود إلى ذواتنا”.