لوحة للفنان الأميركي جون بنكر (Getty)

ديمة الشكر

لم يبدُ صنيع كريستين طعمة الأوّل في حديقة الصنائع في بيروت (1995) منسجمًا مع المتوقّع من مدينة خارجة للتو من أتون حرب، استقر على تسميتها بالحرب الأهلية اللبنانية، رغم وفرة اللاعبين الإقليميين والعالميين المشاركين فيها، فعلًا ونتيجةً وحصادًا. بدا عمل كريستين أدنى إلى الغرائبي والمتفرنج. إذ ربما استنكر البعض استعمالها الحيّز العام / الحديقة، كي تردّه إلى أهله، من خلال “فنون” كانت غريبة وقتها: التجهيز، عروض الأداء، معارض التصوير والفيديو آرت وغيرها، وإذ بها اليوم تحتل مساحة متقدّمة في خارطة الفنّ العربي المعاصر.

ومثلما ظهر عمل كريستين نافرًا، ظهر الملهى الليلي BO 18، للمعماري اللبناني اللامع برنار خوري، أقرب إلى صفعة “فنية” للأيام اللبنانية السوداء (1975 – 1992)، فروّاد المكان، الواقع في حي الكرنتينا، ينزلون حرفيًا إلى قبر ضخم.

عربيًا، سيحتاج النقد الفني والنقد الثقافي والمتلقي إلى وقت طويل، قبل الركون إلى تلك “الأمور الفنية” التي تبدو فعلًا “مستوردة”، منبتة الصلة عمّا نظنّ أننا نعرفه عن الفن العربي الحديث، وطرقه المتشعبة الخارجة في أحايين كثيرة عن اللوحة والمنحوتة.
لكن مهلًا، من قال إن الفنّ العربي في القرن العشرين سليل “تاريخنا الذهبي” أو تراثنا التليد، فحسب؟ ومن قال إنّا ورثناه أصلا؟

ربما لحسن الحظّ، أن الجواب عن السؤالين الآنفين، هو لا. ومن الجيد أن الفن العربي في ثقافتنا المعاصرة، نجا من تلك الثنائية؛ تراث / حداثة (وفعلها المبدد للجهود في الشعر الحديث أقلّه). وبالعودة إلى حسن شاكر آل سعيد، أو بول غيراغوسيان مثلًا، نجد حريةً في التناول والطرح، لا تحفّ بها معطيات من الماضي تكبلها، وتؤثّر في الفنان ليلجأ إليها، أو يقارعها ويتجاوزها.

لكن حسن الحظّ، أبى أن يرافق الفن العربي المعاصر، الذي يبدو اليوم من خلال الفنانين العرب، الشباب خصوصًا، أقدر على التعامل مع مفردات العصر الحديث ورهاناته وتشعبات مساراته وتعقّدها. والأهم، أكثر جرأة في النقد، وفي توسيع المنظور “الإنساني” و”الكوني”، الذي يتيح لعمل فني للبناني وليد رعد مثلًا، أو للمغربية، الراحلة توًا، ليلى العلوي، أن يكون ممتلئًا بطبقات من المعاني، الحادة بالضرورة، نظرًا إلى انحيازها للضحية من دون أية مساومة.


ففضلًا عن ضعف مواكبة أعمال الفنانين العرب المعاصرين في الإعلام بأنواعه، والنظر إلى البينالييات العربية والملتقيات الفنية الأخرى بطريقة غير سوية، (وصحيح للبزنس فيها حصّة واضحة)، تغيب فعلًا الإضاءة على طابع الالتزام، الذي يكاد يشكّل سمة عامّة لدى غير ما فنان عربي معاصر.

إلا أن كل تلك الأمور، يمكن “حلّها” رويدًا رويدًا وبجهود فردية أو جماعية. ثمة تراكم، وثمة اعتراف. كذا “نجت” طعمة من التأطير في كادر التفرنج والانعزال عن المجتمع، بعد مواعيد فنية، ومهرجانات ولقاءات ومنشورات ونشاطات. ونجت أيضًا آن صار الاعتراف بها غربيًا: جائزة الأمير كلاوس عام 2006، وجائزة أودري إيرمانز للتميّز في التنسيق الفني عام 2015، وآن صار الفنّ العربي المعاصر حاضرًا أكثر في المشهد العالمي.

من الصحيح أنه يخضع إلى هذا الحدّ أو ذاك للمعايير الغربية، إلا أن حضوره يترسخ يومًا فآخر. وزاد الأمر، اختيارها لتكون القيمة على بينالي الشارقة الثالث عشر، المزمع عقده في 2017.
وبعد ذاك، ظُنّ أن حسن الحظّ سيتابع الميل صوب الفنّ العربي المعاصر وأهله، خاصّة مع انتشار صالات عرض مختلفة، تقوم على “مفهوم” ما، أو ذلك الوافد الجديد إلى منطقتنا المسمّى “إقامة فنان”.

ثمة تراكم، وثمة اعتراف، وظنٌّ بأن حسن الحظّ مستمرّ، وثمة ما هو أهم؛ إصرار كريستين طعمة الذي تجلّى ليس في مهرجان أشكال ألوان فحسب، بل أيضًا في “أكاديمية أشغال داخلية” أو مؤسسة “أشكال ألوان”. والمبنى ذو المظهر العاري هو في أصله مصنع قديم، واقع في المنطقة الصناعية في بيروت، غير بعيد من مكتب المعماري اللبناني برنار خوري.
هناك في مكان كريستين، ثمة صالات عرض، مكانٌ للناس، إقامة لفنان، وربما مكتبة، فسحة للثقافة ونزهة للمؤتلف وأخرى للمختلف.

ثمة تراكم وثمة اعتراف، ثمة عمل وثمة إصرار، وثمة ظنّ بحسن الحظّ وحسن النوايا.
لكن القائمين على السياسة، يمقتون القيمين على الثقافة والفنون. ولا يعدمون إطلاق تعليقات ساخرة من الأعمال الفنية العربية الحديثة، إذ رأيناهم في مناسبات شتّى أدنى إلى قلة التهذيب في الكلام وأقرب إلى الوقاحة في الحديث.

القائمون على السياسة، المختصون بالشرّ، أصدروا “مذكرة إخضاع” بحقّ كريستين طعمة مؤخرًا. هذا ما عرفته الصحافة من صفحة كريستين على الفيسبوك التي عرفت بالأمر حين أرادت تجديد جواز سفرها. هذا ما لفظه بلد “كلن يعني كلن”.
هذا ما نالته “القيّمة” على الحديقة، بعد واحد وعشرين عامًا من العمل في الثقافة والفنّ.