منشأة فنية لصفاء الرواس

فريد الزاهي

كانوا مجموعة من الشباب احتلوا، في الأيام الأخيرة من القرن الماضي، فيلا قديمة تحولت إلى دار للفنون في قلب الدار البيضاء. كان المعرض عبارة عن تجربة جديدة غير مسبوقة لمجموعة من الفنانين الشباب، يستعمل أغلبهم الأشياء العادية ليعبّر بها عن نظرته لليومي ولتحولاته العنيدة. كان المعرض إعلانًا عن ميلاد حركة الفن المعاصر الثائر على الأشكال التقليدية للإبداع الفني. ميلاد جماعي، سبقته تجارب فردية منذ السبعينيات، تولّدت من صلب الفن الحديث، لدى المكي مغارة ومحمّد القاسمي وفريد بلكاهية وغيرهم، ثم في ما بعد مع فنان متفرّد بدأ مبكرًا يشتغل على الفضاء ضمن رؤية خصوصية هو منير الفاطمي.

في هذه البدايات النافرة نجد أعمال صفاء الرواس، إحدى الفنانات المعاصرات الأكثر ابتكارًا وصرامة إبداعية وانسجامًا رؤيويًا في المغرب العربي. منذ أعمالها الأولى، وهي تصوغ عالمها بالكثير من الأناة والتؤدة. وحين التحقت بمدرسة الفنون الجميلة بتطوان أواسط التسعينيات، أدركت للتوّ أنها عاشقة عنيدة للأبيض والأسود. ومن حينها وأعمالها تشتغل بالأساس على البياض، كأنه عالمها المخملي الأبدي. انتبه إليها مدير المدرسة آنذاك، الفنان الراحل محمد شبعة وهي في سنتها الدراسية الثانية، فدعاها هي ويونس رحمون (الذي صار اليوم من أهم الفنانين المعاصرين العرب) كي يشاركانه معرضًا في طنجة. كان ذلك أوّل معرض لصفاء الرواس.

مع بداية الألفية الجديدة، صار الاهتمام العربي والدولي بالفنانين الشباب متواترًا، ومعه صارت الساحة الفنية تعرف بعض الانفتاح. فقد توالى ظهور اللقاءات الاحترافية وصالات العرض المهنية وتكونت مجموعات فنية كبرى في المصارف والمؤسسات العامة، بدأت تباشير السوق الفنية تظهر بشكل واضح. وقد منحت هذه التحولات التجارب الفنية الجديدة بعض العيانية.
ظلّت صفاء الرواس تشتغل في صمت لمدة طويلة من غير أن يدرّ عليها عملها ما يمكّنها من الاستمرار. بيْد أن جذوة المغامرة وسعيها الدائم إلى الحفاظ على هويتها البصرية واختباراتها الجمالية جعلتها تستمر، حافرة في العمق وجودها في المشهد الفني العربي الجديد.

تبني صفاء الرواس “لوحتها” كما الطرّازة تشكّل الثوب. غير أن عملية التشكيل لديها ذات طابع بنائي. تثبت في نسيج خاص مجموع العناصر التي بها تركِّب عملها. وهي في الغالب عبارة عن خيوط رفيعة من المعدن، أو إبر أو أمواس حلاقة أو سكاكين وشوك. ويضفي هذا الهوس بالأشياء الحادة على أعمالها طابعًا عنيفًا، لا يتمثل فقط بالطريقة التي بها تغدو بشرة العمل بشرة عدوانية، وإنما أيضًا في كونه عنفًا ينبني على مفارقة خصبة: الحدّة والصلابة مقابل الهشاشة والبياض. إنها لعبة تسير بها الفنانة إلى منتهاها وحدودها، وتعيد تقليبها وتنويعها كي تستقي منها قوّتها الفنية والدلالية.


هكذا يغدو العمل الفني مجازًا للجسد وشروخه وشبكاته الباطنة. وكأننا بصفاء الرواس تنزع عن الجسد بشرته، تسلخه كي تقدمه لنا عاريًا إلا من أحشائه

هكذا يغدو العمل الفني مجازًا للجسد وشروخه وشبكاته الباطنة. وكأننا بصفاء الرواس تنزع عن الجسد بشرته، تسلخه كي تقدمه لنا عاريًا إلا من أحشائه. في هذه العملية يكفّ الجسد عن أن يكون أنثويًا تمامًا كي ينحو نحو طابع الخنثوي يجمع بين مجاز الأنثوي ونتوءات الذكوري، خالقًا إيقاعات تفاعلية بين الاثنين. تغدو الأشياء الحادة عمومًا أشبه بالعلامات التي تصنع بها صفاء عالمها. وهو فضاء مليء بالألغاز، نقف أمامه فيما يدعونا لقراءته وتفكيكه، ويكاد ينمحي ويغوص في عَدم البياض.

يتعلق الأمر أصلًا بكتابة حكاية الجسد الشخصي، بما هو جسد متحوّل على إيقاع الألم الدفين والأنوثة الصارخة. ربما لهذا الغرض بالضبط تشتغل الفنانة على الثنية باعتبارها تقنية تراوح بين الخفاء والتجلي وبين المبطن والمعلن والمجاز والحقيقة. ولهذا المبتغى أيضًا نجدها تنحو باتجاه جمالية مخطَّطة تكاد تكون أشبه بكتابة صامتة. وسواء أكانت الخطوط أفقية أم عمودية – وهي في الغالب عمودية – فإنها تخلق إيقاعًا حادًا يمنح للمنظور أنَفة عمودية تفصح عن صرامة الموقف، وصرير المعنى، وصلابة الموقع. تغدو الأنوثة بجراحها المخطوطة هنا تأويلًا لقوة الهشاشة، وعمق العناصر المعتِمة، وصخب تحولاتها.

حين تبني صفاء بالخيوط والورق والسكاكين وكل الآلات الحادة التي تُطوّع، حتى حين تغلفها وتلبسها لَبوس الوداعة، سواء في منشآتها الهائلة المتدلية من السقف أم التي ترتكن في زوايا القاعة، فإنها دومًا توحي بأن ثمة شيئًا ما يتنزَّل، ينزوي أو يدعونا إلى السرّ. الأعمال المعلقة فاتنة ومرعبة في الآن نفسه، تبدو غابتها الحادة مثل سيف ديموقليطس. أما تلك المركونة في الزاوية فتبدو كما لو كانت فجّاً يكاد يلتهمك بعدما يكون قد التهم نظرك. وأما تلك التي تتشكل في شكل وسائد فإنها تفقأ العين والجمجمة بدبابيسها، معلنةً استحالةً كبرى للنسيان، أي للنوم أو الحلم.

هذه التآليف تتبدّى تارة مثل غابة، وأخرى مثل زرْبية من الورق أو الزجاج. والزجاج بدأت تستعمله الفنانة مؤخرًا في شكل أنابيب مكسرة، تخلق بها جغرافية مهشمة شفافة، بين المرآوية والخفاء. ولعل البحث هنا عن مواد تخومية تتسم بالبياض الناصع أو بالشفافية الكاسرة، ومسرحتها في الهواء أو في الأرض، وفي شكل لوحة صندوق أو تعريشات معلقة، هو السبيل الذي يجعل الفنانة تتسامى في الفضاء، عابرة إياه كما تعبر وجودها في الفن، مفجّرة أنوثتها في شكل مجازات إقلالية minimalist ومن ثم كنائية، تكتفي بها عن الهذر الذي يميّز الفن المعاصر، المهووس بفائض الحكْي وفائض التعبير.

هكذا تسكن صفاء الرواس المواد كما تسكن هويتها المشروخة، تبدأ الحكاية الشخصية من غير أن تنهيها، تصمت عنها لتدعونا لفسْحات الكينونة الإشكالية. تسائلها وتبني فيها بشكل حثيث “أسلوبها”، القائم على المراوغة والدوران حول الجرح النرجسي، قصد تكسير الأسطورة الشخصية وإعادة بنائها بشكل تركيبي.