لوحة للفنان الأميركي جون نيوكومب (Getty)

العربي الجديد

يتمتع السودان برصيد من التراث الشعبي التقليدي الذي يمثل خليطًا عربيًا إفريقيًا شكّل في المحصلة الوجدان السوداني. ومن الصحيح أن المساحة الجغرافية الواسعة للسودان، أدّت إلى اختلاف الفنون الشعبية من منطقة إلى أخرى، إلا أنها تشترك بصورة عامة بدلالتها على مجتمع قبلي، يبدو أن المدنية تعثّرت في طريقها إليه، هذا ما نستدل عليه من تواتر استعمال “إحصاء” عدد القبائل السودانية، والتأكيد أن عددها يقدر بـ 350 قبيلة.

الرقصات الشعبية تعود

ولم يعد مستغربًا عودة الرقصات الشعبية إلى الظهور في مناطق السودان. وهي رقصات تعكس معاني الحرب والزواج وإظهار القوة ومواسم الزراعة والحصاد والفزع. وهذه الكلمة الأخيرة، تعود للاستعمال بتواتر على ما يبدو وهي تعني: “تقليد مرتبط بالدعوة للحرب والإغاثة”، ولا يخفى أنها مستمدة من شيء بائد، يعود اليوم ليسود. ومن غير المستغرب في جو مماثل، انبعاث الرقصات ذات العلاقة الوثيقة بعالم السحر المُمثلة في “السبر والكجور”، وتعتمد إظهار القوة طريقة في التعبير.

يبدو أن السودان ينظر إلى الماضي، فثمة رقصات تعود إلى القرن الثامن عشر، مثل رقصة “الكمبلا” التي تمارس عند نضوج الصبية. أو رقصة “الصقرية” أو رقصة العروس وغيرها من الرقصات التي ترتبط كل واحدة منها بمنطقة جغرافية.

والناظر في الرقصات القديمة التي تعود إلى الظهور في المجتمع السوداني، لن تفوته الدلالات الاجتماعية التي تحملها، فبعض الرقصات مثل “كليبو” و”شوشنقا” خاصّة بالنساء، وتتعلق بتحضيرهن للزواج أو تحفيزهن على الإغراء من طريق رمي مبالغ نقدية على الراقصات.

السياسة في كل شيء

وتلك المعاني التي تكرّس وضع المرأة المتدني في المجتمع السوداني، لا تبدو منفصلة عن السياسة. إذ يبدو أن الرقصات التراثية المختلطة بين الرجال والنساء مثل رقصة “التونيجي”، تعاود الظهور اليوم أيضًا، خاصة في الريف، وبشكل أقلّ في المدن. وهي ترتبط بالسياسة من حيث القرارات التي اتخذها النظام الحالي، لا سيما في السنين الأولى لحكمه، إذ كان يجرّم الاختلاط بين النساء والرجال، ويعمد إلى فرض الفصل بينهم حتى في حفلات الزواج، فضلًا عن منع السهر لساعات متأخرة في الليل، إذ لا يجوز أن يتجاوز وقت حفلات الزواج منتصف الليل. وراجت في تلك الفترة أيضًا، نظرة إلى الرقص، وإن كان شعبيًا وقبليًا، على أنه نوع من الفسق والفجور.


الناظر في الرقصات القديمة التي تعود إلى الظهور في المجتمع السوداني، لن تفوته الدلالات الاجتماعية التي تحملها

ومن الصحيح إن الإجراءات أعلاه، تبدو ظاهريًا مانعة لممارسة طقس بسيط مثل الرقص، لكنها في العمق حفّزت على التمسك بتلك الرقصات، فغدا لافتًا على سبيل المثال أن يقوم خبير ثقافي بالبحث في هذا الأمر وإضفاء معانٍ ثقافية عليه.

فعثمان شنقر، الخبير في الملف الثقافي، يرى أن المشروع الحضاري الذي اعتمده النظام الحالي منذ وصوله إلى السلطة في 1989 ساهم في تغيير الكثير في الحياة السودانية على المستوى الثقافي والفولكلوري والمجتمعي، لا سيما وأنه هدف إلى إعادة صوغ الانسان السوداني. وأوضح “ونتيجة لذلك التدخل السافر، غابت كثير من العناصر الثقافية سواء الفولكلورية أو الطقوسية، وذلك لقناعة ربما فقهية أو دينية، لدى الذين صاغوا أبجديات ذاك المشروع الحضاري، والذين يرون في تلك الطقوس، مخالفةً لصحيح الدين من وجهة نظرهم”. وأكد شنقر أن ذلك مثّل جزءاً أساسياً في اختفاء العناصر الفولكورية عن الحياة السودانية.

ولا يجد شنقرغضاضة في توضيح الأمر، إذ يقول: “من الملاحظات التي تستوقفنا عند تقديم أي عمل تراثي في الإعلام المحلي، وجود تحوير وتغيير في رقصة معينة أو طقس أوعنصر تراثي، وهو تغيير سياسي”. وشدد الخبير، على الآثار السلبية لتلك الخطوة، والمتمثلة في تقليل حجم العمل التراثي وتزييف الحقيقة الجوهرية. وأضاف: “المتابع يجد أن المشروع الحضاري غيّب بعض الرقصات الدرافورية الشعبية القديمة عن الإعلام الرسمي كرقصة “إبره ودر”، باعتبار أن فيها إيحاءً جنسيًا. كما يتم تدخل في العرض التراثي عمومًا بالحذف والتغيير”.

ويرى أستاذ الثقافة السودانية في جامعة الخرطوم، محمد المهدي بشرى، أن “الفنون الشعبية باختلاف أنواعها، مرتبطة في السودان بطقوس محددة إما زواج أو أعياد أو أية مناسبات اجتماعية أخرى، بما فيها الحصاد”. وأشار إلى أنها عادة ما تتم بشكل مختلط بين الرجال والنساء. ويعتقد المهدي بشرى، أن القاسم المشترك بين الرقصات تداخل الثقافة بين مناطق البلاد المختلفة، وأوضح “كما نجد تأثراً من منطقة لأخرى بثقافة معينة، وانتقالها” ويرى أن اختلاف تلك الفنون ناتج من البيئة المؤثرة فيها سواء أكانت بيئة رعوية أم زراعية، الأمر الذي يخلق بدوره إبداعًا خاصًا”.