لوحة للفنان الأميركي جون نيوكومب (Getty)

ليلى السيد حسين

عندما كبرت أخبروني أن هذه أنا قديمًا في الصور. أنا لا أعرفني في الصور. الفتاة في الصورة كبرت في كون موازٍ، وأنا كبرت هنا. لا أعرفها لو التقيتها يوماً، ولا أعرف إن كانت تعرفني.

هل تذكرين عندما أتت الطائرة وحطّت فوقنا؟ كان لدينا خياران حينها، إما أن نركض كالمجانين ونفترق كي ننجو، أو نموت سويّاً. لم يخطر لنا أن أنجو وأن تتحولي شعاعاً يحتل الفضاء. لم أر دماً، ولا أمعاء، ولا دماغاً منتشراً على الأرض الرطبة. رأيتُ انفجاراً كونياً، واحتلت سيمفونية فيفالدي المشهد. مع كل نوتة انبعاثٌ جديد. كلّما صعدتِ إلى السماء، رأيتني أتفجّر من الداخل، وكأنك تموتين وتخلقين من جديد في أحشائي. أنا، ألملم منك ضوءاً علّه ينير المستقبل، وأنت تنثرين غبار ابتسامتك الصافية في الفضاء الحزين.

طرنا سوياً، ونبت لي جناحان على ظهري. كان لا بدّ أن ينبتا يوماً. كنت دائمًا تقولين لي إنك ترين جرحين طفيفين على ظهري. نظرتُ إلى المرآة طويلاً، لم أرهما يوماً. كنت أنت التي ترى دائمًا كل ما لم أستطع رؤيته. كنت تقولين أيضاً إن الجرحين هناك لأن أحداً ما في حياتي السابقة انتزع الجناحين كي لا أطير. هناك، في حياتي السابقة التي كنت تتكلمين عنها طوال الوقت، قلت لي إن الطيران حرام، وحده المشي حلال. أخبرتني أنني هناك، في حياتي السابقة التي لا أذكر منها شيئاً، دفنتُ جناحي بانكسار تام، بعدما أقدموا على قطعهما، وإجباري على دفنهما. طلبتِ مني أن أتذكر أين دفنتهما، حاولتِ كثيرًا لكنني لم أتذكر.

كنت دائمًا تستيقظين من النوم، تحضّرين كوب القهوة المعتاد؛ ملعقتي حليب، ملعقتي كريمة بيضاء، ملعقتي نسكافيه وملعقة سكر. كنت تنتقين دائماً كوب القهوة بعناية. الآن باتت أكوابك فارغة وليس من أحد ليحضّر القهوة. أثناء تحضيرك للقهوة، كنت تلتفتين وأنا أنظر إليك. تسألينني إن تذكرت أين دفنت الجناحين؟ كنت أضحك لأنني لم أكن أحملك على محمل الجد. كنت أكذّبك أحيانًا، وأضحك أحيانًا، فتقولين إن ابتسامتي جميلة، ولا فرق إن صدّقتك أو لا طالما أنني أبتسم.


طرنا سوياً، ونبت لي جناحان على ظهري. كان لا بدّ أن ينبتا يوماً. كنت دائمًا تقولين لي إنك ترين جرحين طفيفين على ظهري

عندما انفجرتِ ضوءاً تحت الطائرة، طارت فراشات من فمي وتقيأت حشرات غريبة أخذت ترفعك إلى البعيد. إلى الجنة أو النار أو أكوان أخرى.. لا فرق. المهم أنك رحلتِ. صرخت لك حينها، انظري! نبت لي جناحان. لم أعرف إن سمعتِني، كل ما أعرفه أن ابتسامتك غلّفتني، فتذكرت أيامي في رحم أمي. غلّفتِني أنت كما يغلَّف الجنين تماماً.

موسيقى فيفالدي نبضُ قلبك، انعدام الرؤية، شعاع ضوئك، وحرارة الطائرة، دفءُ المياه.
بعدما رحلتِ وبات الضوء يتبعثر في أرجاء هذا الكوكب، عدتُ إلى كتبي وأقلامي وفراشي. بتّ لا شيء ينقصني سوى أن أرى جناحي في المرآة، وأن لا أكذبهما مثلما كنت أكذبك. لم يرَ ظهري إلى الآن أحدٌ غيرك، أراكِ تسرقين طريقك في الليل. أنا أعرف أن هذا أنتِ، أعرف أن هذا الضوء المفاجئ الذي يدخل الغرفة خلسة هو أنت. ترفعين الغطاء بلطف شديد كي تطمئنّي إن قصّ أحدهم جناحي من جديد. ما أن أمدّ يدي كي ألمسك، حتى تنسلين ضوءاً هارباً وتخرجين. فأعود، نصف نائمة كي أحلم بك، ونصف يقظة كي أراك إن جئت، ويغيب عن بالي أنك لا حقيقة ولا حلماً. لن أجدك في اليقظة، ولن أجدك في الحلم. كانت الفاجعة الكبرى عندما علمت أنك أنت وحدك تقررين متى تأتين لزيارتي في الغرفة، وأنني لا أستطيع إلا الانتظار.

الطائرة لا زالت تحلّق يومياً فوق رأسي، لا أحد يراها غيري، ولا أحد يسمع هديرها سواي. اعتدت صوتها، حتى بتّ لا أستطيع أن أنام في السكون. صوت السكون يخيفني لأنك لستِ فيه. أحيانا أخاف، من ثم أسمعك تهمسين في أذني اليمنى “لا تخافي، أنتِ كنت يعسوباً عندما بتروك في حياتك السابقة، الآن جناحاك أكبر وأقوى”. ما إن تهمسين حتى يمسي جناحاي أكبر من جناحي الطائرة. لا زلت أتخبّط مع نفسي، وأتساءل “هل كان يلزمك أن تنفجري كي يكبر جناحاي من جديد؟”.
اقرأ أيضًا.