لوحة للفنان الأميركي جون نيوكومب (Getty)

إن ثبت وحصلتْ على ما تريد غدًا، ستغيّر ديكور غرفة النوم والصالون، ستشتري من مدخراتها سريرًا جديدًا من الخشب الأبيض لا يصدر صريرًا كلما تحركت، وفراشًا أكثر طراوة. حبذا لو تمكنت من اقتناء واحد طبّي كي تخفّف آلام ظهرها. ستزداد الآلام كلّما تقدّمت في السن، وهي لن تقدر على تغيير الفراش دائمًا، الأفضل أن تستبق المرض وقلة النقود وتتهيأ. كلما كان السرير خاليًا من شريك، كلما زاد الاهتمام بجودة الفراش. حيلةُ لسدّ الفراغات.

يجب أن تغيّر لون الجدران، الأبيض لغرفة النوم، تحتاج كمًّا كبيرًا من النصاعة حولها في هذا المنزل، ولكن الصالون ستصبغه بالأزرق. ديكور المطعم من الأبيض والأزرق، جميل بشهادة روّاده. اهتمت كثيرًا بتزويق مطعمها، مساحته صغيرة لا تتجاوز عشرين مترًا مربعًا، لكنه موضّب بطريقة محكمة وجميلة. كل ركن فيه مستغلّ كما يجب، لا يتسع سوى لخمسة عشر شخصًا في وقت واحد. ويبقى أضعافهم خارجًا في الانتظار كل مساء خميس، أكثر الأيام التي يشهد فيها إقبالًا، موعد طبخ الطبقين اللذين تخصصت بهما رغم غرابتهما: “ملوخية بالبسطرمة المفرومة” و”لحمة بالشكولاتة”!

التاسعة صباحًا
لم يستيقظ بعدُ سكان هذا الحي الراقي من نومهم. معظم الشبابيك مقفلة، ونفر قليل يعبرون الحارات. حتى محطة الميترو كانت شبه خالية. المترفون لا ينهضون باكرًا، أرزاقهم محفوظة إلى ساعات متأخرة. أما ضعاف الحال، فهم من يحملون الشمس على أكتافهم لتُشرق، ويسيرون بعدها في الدروب يُعلنون طلوع النهار. لكل موعد مؤذّن، يُوقِظ الغافين من سباتهم. هم يفعلون بنعالهم المتآكلة، بخطوٍ ثقيل زاحف كصوت الحشرجة.

أرادت ان تركب تاكسي من محطة الميترو إلى العنوان الذي تقصده. غير أنها لم تظفر بواحدة، كأنما سيارات التاكسي لا تمر في ذاك الحي. سألت بعضهم، فأرشدها، ولكنها ستمشي طويلًا قبل الوصول. لا شيء يصاحب المشاوير الطويلة أفضل من إعادة الحسابات في المواضيع الراكدة، نحن لا نجترّ الأكل مثل بعض الحيوانات، بل نفعل مع الأفكار والذكريات والصور.


قرارُها الذي اتخذته بفتح مطعم صغير منذ سنوات، هو الذي يجرها اليوم لرؤية صديقة قديمة والتقدّم بطلب تمنّت لو لم يكن. كانت تعمل سكرتيرة في دار نشر متواضعة يملكها طليقها. وفعليًا كانت مهامها تتعدى الأعمال السكرتارية، العقل واليد الساهرة على كل شيء. تقرأ أيضًا مشاريع المنشورات، لا تبدي رأيًا أدبيًا لكنها تقول إن كانت كقارئة أحبّت العمل.
مُذ غيّرت مهنتها لم تقرأ كتابًا واحدًا، وما عادت تمسك القلم إلا لكتابة طلبات المحل وتدوين الحسابات. خلال الأسبوع المنقضي، عثرت على كراريس قديمة دوّنت فيها قصائد وخواطر وأشياء أخرى. مات ذلك الحرف. خطفت مكانه ومكانته أواني المطبخ والسكاكين وقطع الخضار المنثورة هنا وهناك. كتابة أخرى من نوع آخر، كتابة ذات رائحة وألوان طبيعية، لكنها تفنى سريعًا. من ينكر أن الطبخ فن هو الآخر؟

لمعت في رأسها فكرة المطعم بعد سنة من طلاقها، كانت قد وجدت عملًا آخر في هذه الأثناء. لكنها وبعد تفكير وتمحيص قررت خوض المغامرة، تريد أن تطبخ أكلًا “بيتوتيًا” بوصفات مجددة، تريد أن تُطعِم.

وشغل المكاتب، أصبح لا يتسع لصراخ داخلي، لا المقعد يحتويها كاملة، ولا الطاولة التي أمامها ستصير مركبًا يمضي بها لبحار جديدة. إن بقيت جالسة ستتبلّد عروقها. ليس في الطبخ انتقاص من مهاراتها الأخرى، ولا تريد أن تقترن بها، تلك الصورة النمطية للمرأة التي فشلت “خارجًا” فدخلت المطبخ، ستدخله لتُجدد نفسها.

عشر سنوات مرّت، سريعًا. بملح الصبر رشّت أطباقها. أوفت دين القرض الصغير الذي أخذته من البنك. أصبح لها زبائن دائمون، وكثير من السياح يرتادون عتبة مطعمها. لكن عائداته ليست كبيرة. فالمحل صغير، وبات ضروريًا توسيع المكان. لا تريد الاقتراض مجددًا، فالفوائد تقصم الظهر.


لمعت في رأسها فكرة المطعم بعد سنة من طلاقها، لكنها وبعد تفكير وتمحيص قررت خوض المغامرة، تريد أن تطبخ أكلًا “بيتوتيًا” بوصفات مجددة.

ستقابل هذا الصباح سميرة، صديقة قديمة ميسورة الحال. اقترحت عليها موضوع شراكة منذ فترة ولم تتخذ قرارًا. ها هي اليوم شبه عازمة على تنفيذه لكن بشروط. جهد بعض من عمرها، لن تُشرك فيه أحدًا بسهولة. واسمها الذي بات معروفًا في الأوساط، يجب أن يبقى ملكا لَها، “ملوخية البسطرمة” لها و”لحمة الشكولاتة” لها أيضًا.

وصلت أخيراً، منهكة من المشي والتفكير والليل الذي لم تنم من ساعاته إلا القليل. لم تدخل بيت سميرة من قبل، جميل، منمق وهادئ كصاحبته. في الربع الساعة الأول من اللقاء، عندما جلستا تشربان فنجان قهوة في الشرفة المطلة على حديقة البيت، لم تستطع أن تتمالك نفسها من المقارنة بينها وبين سميرة. لم تقارن البيت ولا أثاثه بقدر ما توقفت عند جسديهما وملامحهما. عادت طبولها تدق عنيفًا من جديد. كانت تخشى تلك الجلسة أكثر من خشيتها من نتيجتها، منذ زمن لم تقف أمام مرآة. كل ما في سميرة مشرق، كل ما في سميرة نحيف سلس، كل ما في صديقتها مرتب؛ جسم متناسق، ملامح متوازية، هندام لبق. كل ما فيها هي خارج عَن السيطرة الجمالية بمفهومها البصري المتداول اجتماعيًا؛ كوم لحم وشحم، جسد متجذّر في عرف الطباخين. صدر واسع كالسباحين وأرداف ضخمة، بطن متوسط تحمد الله أنه كذلك. يبقى جسدها متناسقًا على أية حال، لا تكرهه، لا تنكره، ولا تلبس الفضفاض لتواريه. عادة ما يكسوها الأسود لكنها كثيرًا ما تلبس ألوانًا زاهية، البرتقالي يليق بِها كثيرًا، هي ذات البشرة السمراء تكاد تكون غامقة. عندما تلبس الألوان يلاحظها زبائنها ويُعجبون. فقط ابنها عمر لا يلاحظ شيئًا. يراها مختلفة عن النساء، اللاتي بدأ يشتهيهن، يتذمر من إهمالها لنفسها، ومن وزنها الذي يراه زائدًا ومن تسريحتها التي لا تغيّرها وشعرها المعقوص دائمًا.

هو في الأصل يتذمّر من حضورها الدائم لا ينتهي في وجوده ومن سلطتها عليه. تعرف أنها تدفع ثمن عقدة غياب الأب. لا تحتاج المسألة ذكاءً كبيرًا لفهم المعادلة المبتورة. ذكرت له مرارًا أنها كانت ملزمة على أن تتكفن ببعض أثواب الرجال وجلابيبهم حتى تتمكن من الصمود.

لا تتوحّش اللبوة إذا كان مربضها حديقةً من الزهور. سفينة نوح التي استوجب عليها قيادتها، محال أن تبحر بساعدين طريين ناعمين. مقابل حدة وحيدها هي أيضًا قادرة أن تمطره صراحة موجعة، ضرورية في نظرها لئلا تزل قدمه عن الواقع. مهمة الأولياء أيضًا ألا يزينوا كل شيء باللون الوردي. رشّة تذكير بالألوان الواقعية ملزِمة أحيانًا.

لا تستلم مرة كشف علاماته المدرسية إلا وتموت خيبة لا تعادلها خيبة. علام تلهثين تعبًا يا حياة؟ منذ الصغر لا يفلح ولدها في المدرسة، علاماته بالكاد تمكّنه من النجاح من سنة إلى أخرى. سيجتاز الثانوية العامة، السنة المقبلة، متأخرًا عمّن هم في عمره. هو ضعيف في كل المواد، ولا يدرس. لا ترى تخصصًا واحدًا يمكن أن ينجح فيه، هذا وإن قدّر الله واجتاز بسلام الثانوية العامة.

في بداية هذه السنة بدأ يردد أنه يريد أن يعمل “مضيف طيران”. انظر إلى نفسك في المرآة يا بني، قالت. ولدها يسرد وهي تُعيد. هو غزالها لا ريب، لكنه قد يكون غير ذلك للوظيفة التي يريد. عُمر مقبول الجمال بالقدر الذي ُيرضِي الناظر إليه، لكنه يبقى دون الشروط المطلوبة لأحد مهن الأحلام، التي تلزمها الوساطة أساسًا. جمال مقبول بدون وساطة، ولا تبكي يا حبيب العمر!

كيف هم أبناء سميرة يا ترى؟ عادت الى رُشدها، لا تريد مزيدًا من المقارنة هي في غنى عنها، وما فلت من وعيها لا فائدة منه. لكنها لم تمنع نفسها من الزهو، بالرغم من كل شيء، عندما قالت لها صديقتها إن السنوات لا تغيّر من بريق عينيها شيئًا ومن إشراقة ابتسامتها المميّزة. الآخرون يرون فينا ما لا نراه أو ما ننساه. أجمل ما فيها ابتسامة شفاهها الخمرية وعينيها اللتين تشرقان مع ابتسامها. وجهها فجر يلوح من وراء سمرتها، والفجر يُنسي كدمات الليل، لذلك يحبها كل من يعرفها.

لكن ليس كل من يعرفها يعرف، لا أحد يعرف، أنها منذ ما يزيد عن ثمانية عشر عامًا وهي تتصارع، بثبات، مع “ماذا لو بقينا مع بعض؟”.