لوحة للفنان الأميركي جون بنكر (Getty)

في السبعين من عمره، لم يعد ينشط كمتعهد أعراس ومناسبات كما كان إلى ما قبل خمس عشرة سنة. لكنه مع ذلك، لم يتخل نهائياً عن طريقة حياته.

عاش ناجي أحمد حياة حافلة، وفي السبعين من عمره يفضل أن يدعى باسمه مجرداً من دون الحاج أو الشيخ، وهما الصفتان الوحيدتان اللتان يمكن أن يطلقهما حديث المعرفة به قبل اسمه. لكنه لا يمانع إن ناديته بالعم ناجي.

كان يتعهد حفلات الأعراس والمآتم، ليس كما يفعل مالك مطعم مثلاً، بل كما يفعل النبي الخضر في الأسطورة الشعبية.
أي شاب يرغب في الزواج وتنقصه التجهيزات لإتمام زفافه في الموعد المحدد، يتقدم عنه العم ناجي؛ يوفر كل ما يتطلبه العرس حتى المهر و”الصداق” والقات والذهب. وبعد أن يتم العرس، يكون قد استلم المبالغ المالية التي دفعها سكان القرية في ما يسمونها “المجابرة” أو “الرفد”، تعاونًا مع العريس. يخصم ما قدمه من نقود، ويعطي الباقي للعريس، في حسبة لا يمكن أن يشكك فيها أبرع محاسب مالي في أكبر شركة عالمية. أما إذا لم يف مبلغ “المجابرة” بما قدمه، فيبلغ العريس بأن ما حصل عليه لم يغط النفقات، ويسجل ما تبقى ديناً عليه.

أحد شباب قريته كان يتيماً ومعدماً. كانوا يلقبونه بـ “الجمهور”. أراد الزواج ولم يكن معه فلس واحد. وفي هذه الحالة، ما عليك إلا أن تخبر العم ناجي برغبتك في الزواج. تقدم العم ناجي لتجهيزات العرس، من الألف إلى الياء، وعندما انتهى العرس كان الشاب مديناً بمبلغ كبير. لم يطالبه العم بالدين على مدى عشرين سنة؛ عشرون سنة لم يفتح العم ناجي فمه إلا من قبيل المزاح، حتى مطالبته بأي دين له عند الآخرين، يكتفي بالتذكير فقط على فترات متباعدة.
ظل “الجمهور” يسدد دين زواجه على أقساط ضئيلة، خمسمائة ريال إلى ألف أو ألفي ريال على الأكثر.

ذات يوم، بعد عشرين سنة، تقدم شاب من القرية لخطبة ابنة “الجمهور”، وكالعادة، لجأ إلى العم ناجي ليقدم تجهيزات عرسه. لنقل إن ثقة الناس بالعم ناجي تضاعفت إلى درجة صار معها كل من يريد مجابرة العريس، يدفع إلى يد العم ناجي. بعد أن فرغ من العرس، جلس مع العريس لتصفية حساب التجهيزات ومبالغ المجابرة. كان العريس مدينًا لعمه بمبلغ متبقٍّ من المهر وطلب من العم ناجي أن يتسامح معه في إبقاء بعض الدين عليه ويمنحه المبلغ المستحق لعمه. وافق ناجي على ذلك، لكنه هو من ذهب ليدفع بقية المهر. دفع للجمهور خمسة وعشرين ألف ريال، وخصم خمسة آلاف. عندما اعترض الجمهورعلى “نقص” المبلغ، باغته ناجي بذاكرته التي تفل الزمن ولا تبلى: “هذي الخمسة آلاف باقية عندك من مهر أمها”.

من يعرفون ناجي أحمد منذ زمن طويل يستطيعون ملاحظة ما تبقى من قوانين عمله، حتى وهو يعيش شيخوخته المطمئنة؛ فهو إلى جانب خفته في المطالبة والتساهل في سداد الديون المستحقة له، لا ينسى شيئاً. كان يفعل ذلك في الأعراس وفي المآتم وغيرها من المناسبات الاجتماعية.

هكذا عاش العم ناجي حياته الحافلة؛ خفيفاً كالريشة، بروح ضاربة في عمق الأرض وسامقة كالسماء. لم يهتم أبداً بغير شؤونه. ورغم الديون المعدومة في حياة رجل كهذا، إلا أن بيته وجيوبه لا تخلو من النقود. لا تظنوا أن لديه أساليب ملتوية للكسب؛ فهو لديه مزرعة قات يهتم بها خارج سياق تجهيز الأعراس والمناسبات، ولديه اهتمامه في تجارة المواشي. ذاكرته القوية تساعده في معرفة كل المواشي التي يملكها سكان القرية وعدة قرى مجاورة، وهي القرى التي يمكن تسميتها بمناطق نفوذ العم ناجي. يعرف مثلاً أن بقرة أم سعيد حامل في الشهر الرابع، لذلك يعرف متى ستلد العجل، ويأتي بعد شهر من ولادة العجل ليشتريه. إذا رفضت أم سعيد بيعه العجل، يقنعها بأنه سيبيعه لها في السوق “أمانة” ويخصم أتعابه بدون أرباح. لكن ذلك لا يحدث إلا نادراً، وبعد أن تعززت ثقة الناس به، وزاد حبهم له، صاروا يرسلون الأطفال إليه في حال تأخر، من أجل بيع العجل أو شرائه منهم، لا فرق. فهو حتى إن اشتراه، لا يبخس الثمن. يفعل ذلك عن دراية وليس عن طيبة قلب فحسب، إذ يعرف بمجرد أن يشاهد العجل، سعره في السوق. ما ينطبق على أم سعيد بهذا الشأن ينطبق على بقية سكان القرية والقرى المجاورة.

لا أحد يسأل كيف يستطيع العم ناجي الإلمام بهذه الحسابات المعقدة. وهي معقدة فعلًا بالنسبة له لأنه أمي. لا يقرأ ولا يكتب، لكنه حفظ كل الأرقام التي تخصه. ومع ذلك، فهو يحتفظ بدفتر صغير وقلم في جيبه للأوقات التي يكون فيها مشوشاً. كيف يمكن أن تكون علاقة رجل أمي مع قلم وورقة بيضاء! هذا سؤال خطأ في المكان الخطأ. فلدى العم ناجي طريقته الخاصة لكتابة الأرقام والأسماء. الكلمات التي يستخدمها عبارة عن خطوط متفاوتة الطول والتعرجات.


“زوجتك حانقة ببيت أبوها.. بطل الكذب تعال اصطبح”. استغرب ناجي، ونفى أن تكون زوجته حانقة في بيت أبيها.”

وعندما يأوي إلى البيت، يستدعي ابنه، ويملي عليه ما كتبه في دفتره الصغير، ليصنع منه نسخة أخرى بلغة المدارس، لكن النسخة التي لا تمحى ولا تضيع، هي التي يودعها في ذاكرته بينما يمج دخان “المداعة” ويلوك أوراق القات الرطبة لتجنب الكوابيس.

***

في الوقت الذي تستغرقه العجول لكي تولد ثم تكبر، ينشغل العم ناجي بأمور أخرى، مزرعة القات والشبان الذين يرغبون في الزواج، ومآتم الموتى، وإلى ذلك كله، ارتياده شبه اليومي لأسواق المواشي حتى لو لم يكن لديه ما يبيعه.

للعم ناجي ساعات بيولوجية غير ثابتة لكل المواعيد الطارئة في حياته، ولديه ساعاته البيولوجية الثابتة أيضًا، ولا أحد يعرف كيف اكتسب القدرة على ترويض فوضى المواعيد والزمن. لديه مثلاً تلك العادة في مضغ القات ليلاً. كل ليلة لا بد من مضغ القات، ولأن برنامجه اليومي طويل ويمتد غالباً حتى الساعة الثانية عشرة منتصف الليل، يعود إلى بيته ومعه حزمة قات، فيما زوجته أو ابنته تجهز له الأرجيلة. في الحقيقة، هو لا يهتم بمن يجهز له الأرجيلة.

أرجيلته من النوع الممتاز، ماركة “منيبر”؛ طويلة الأنبوب وذات جرة مياه مصنوعة من النحاس الخالص، وخرطوم من الألياف المتينة واللدنة، محبوكة على أسلاك من النحاس أيضاً، بحيث لا تنكسر عندما تطوى وتفرد كل يوم. مع هذه الأرجيلة، يسمع العم ناجي روحه من بعد منتصف الليل حتى الفجر؛ بعد ذلك يصلي ويخرج مع شروق الشمس، وينام فوق السيارة التي تقله إلى السوق. في طريق عودته من السوق، يستكمل ما ينقصه من النوم، وهكذا يبدد أعراض السهر ويواصل يومه بصورة طبيعية.

ذات يوم من شهر مايو/أيار، عاد العم ناجي إلى بيته في منتصف الليل كعادته. أعدت ابنته الأرجيلة وبرطمان الشاي ودخلت للنوم. سهر إلى الصباح وذهب إلى السوق، وعاد بعد الظهر إلى المزرعة، ثم أوى عند منتصف الليل إلى البيت. وفي الصباح التالي لم يذهب إلى السوق، بل إلى المزرعة. هناك دعاه أحد جيرانه للإفطار، لكنه رد بالشكر. كان قد تناول إفطاره في البيت. قال له الجار مكذباً ادعاءه بأنه سبق أن تناول الفطور في البيت: “زوجتك حانقة ببيت أبوها.. بطل الكذب تعال اصطبح”. استغرب ناجي، ونفى أن تكون زوجته حانقة في بيت أبيها. حلف بالطلاق بأن الجار يكذب، وحلف الجار بالطلاق بأن ناجي يكذب. تدخل جار ثالث وحسم الجدل لصالح الجار الأول.

عاد العم ناجي فوراً إلى بيته، وسأل ابنته عن أمها. “حانق ببيت جدي.” قالت البنت. “وليش ما تقولي لي.” “أنت ما تسألش.” “من أي حين”؟ “قبل نص شهر”.
نصف شهر زوجته حانقة في بيت أبيها وهو لا يعرف. إذا فكرتم أن العم ناجي ضرب رأسه براحة يده أو عنّف ابنته لعدم إخباره بالأمر، فأنتم مخطئون. لم يكترث. قال لابنته: قولي لها ترجع ولها ما يرضيها، وعاد إلى المزرعة، مبتسما لجاره ومانحا إياه اعترافًا بالهزيمة.

لا أحد يستطيع أن يأخذ بخاطره من العم ناجي أو أن يلومه على أي شيء، ناهيك عن الاعتداد بالتفوق عليه. عاش حياته بطريقته، كما هو عليه، وعرفه الناس هكذا. القريب والبعيد، لذلك، أياً كان ما يصدر عنه من أقوال أو أفعال تثير حفيظة الآخر، فلا يملك هذا الآخر إلا أن يغفر للعم ناجي أية زلات. زلاته، إن جازت تسميتها هكذا، لا تؤلم، لذلك يكون في المستطاع النظر في وجهه ورؤية نقاء الثلج ووضوح السماء بعد ظهيرة ممطرة.